top of page

20/12/2023

إلى أين تتجه البرامج النووية لدول الخليج؟

في‭ ‬سعيها‭ ‬لتطوير‭ ‬مزيج‭ ‬الطاقة‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭ ‬لأبعد‭ ‬مدى‭ ‬حتى‭ ‬يمكنها‭ ‬تصدير‭ ‬معظم‭ ‬إنتاجها‭ ‬منه،‭ ‬تتبنى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬برامج‭ ‬عديدة‭ ‬لزيادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬والمتجددة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬تبرز‭ ‬‮«‬الطاقة‭ ‬النووية‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬إدراك‭ ‬لذلك،‭ ‬تبنى‭ ‬‮«‬المجلس‭ ‬الأعلى‮»‬،‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬دورته‭ ‬الـ‭(‬27‭) ‬في‭ ‬الرياض‭. ‬وفي‭ ‬ديسمبر‭ ‬2006،‭ ‬أعلن‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الأسبق‭ ‬للمجلس‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬العطية‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬اتجاه‭ ‬الدول‭ ‬الست‭ ‬الأعضاء‭ ‬للعمل‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬مشترك‭ ‬للأبحاث‭ ‬النووية،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‮»‬،‭ ‬آخذًا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬انتماءها‭ ‬لمعاهدة‭ ‬حظر‭ ‬انتشار‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية،‭ ‬وتوقيعها‭ ‬على‭ ‬اتفاقيات‭ ‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬للحماية،‭ ‬وانضمامها‭ ‬إلى‭ ‬البروتوكول‭ ‬المعني‭ ‬بالكميات‭ ‬النووية‭ ‬الصغيرة،‭ ‬الذي‭ ‬يجيز‭ ‬للدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬امتلاك‭ ‬كمية‭ ‬محدودة‭ ‬جدًا‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬المشعة‭.‬

ومن‭ ‬المعلوم،‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬قد‭ ‬تخلت‭ ‬بإرادتها‭ ‬عن‭ ‬خيار‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية،‭ ‬وتبنت‭ ‬خيار‭ ‬‮«‬الصفر‭ ‬النووي‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وتنفيذًا‭ ‬لقرار‭ ‬‮«‬المجلس‭ ‬الأعلى‮»‬،‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬تم‭ ‬تسمية‭ ‬مدير‭ ‬إدارة‭ ‬الكهرباء‭ ‬والماء‭ ‬في‭ ‬الأمانة‭ ‬العامة‭ ‬للمجلس؛‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬الفريق‭ ‬المكلف‭ ‬بمتابعة‭ ‬دراسة‭ ‬استخدام‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬للأغراض‭ ‬السلمية‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الفريق،‭ ‬وتقديم‭ ‬تقرير‭ ‬سنوي‭ ‬لوزراء‭ ‬الكهرباء‭ ‬والماء،‭ ‬حيث‭ ‬قام‭ ‬الفريق‭ ‬المذكور‭ ‬بدراسات‭ ‬الجدوى‭ ‬الأولية،‭ ‬والدراسات‭ ‬التفصيلية،‭ ‬ووضع‭ ‬خطة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للمشروع‭.‬

وفضلًا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬المشترك،‭ ‬لجأت‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬ثانٍ‭ ‬يتمتع‭ ‬باستقلالية،‭ ‬حيث‭ ‬قررت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬‮«‬الإمارات‮»‬،‭ ‬و«البحرين‮»‬،‭ ‬و«قطر‮»‬،‭ ‬و«الكويت‮»‬،‭ ‬إجراء‭ ‬مفاوضات‭ ‬ثنائية‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية»؛‭ ‬بهدف‭ ‬تأسيس‭ ‬برامج‭ ‬نووية‭ ‬مدنية‭ ‬مستقلة‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬أن‭ ‬العوامل‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬كانت‭ ‬الدافع‭ ‬الرئيسي‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬السياسة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مسألة‭ ‬أخرى‭ ‬تثير‭ ‬القلق؛‭ ‬وهي‭ ‬التوسع‭ ‬المضطرد‭ ‬في‭ ‬الفجوة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬النووية،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ -‬بل‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭- ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭.‬

يأتي‭ ‬هذا‭ ‬فيما‭ ‬مضت‭ ‬‮«‬الإمارات‮»‬،‭ ‬و«السعودية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬خطط‭ ‬لإنتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭. ‬وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬حادث‭ ‬محطة‭ ‬‮«‬فوكوشيما‭ ‬دايتشي‮»‬،‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬ألغت‭ ‬‮«‬الكويت‮»‬،‭ ‬و«عُمان‮»‬،‭ ‬و«قطر‮»‬،‭ ‬خططها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬حثت‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬ظبي‮»‬،‭ ‬السير‭ ‬لإنتاج‭ ‬5‭.‬6‭ ‬جيجاوات‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬براكة‮»‬‭ ‬متعدد‭ ‬الوحدات،‭ ‬مؤمنة‭ ‬25‭%‬‭ ‬من‭ ‬حاجة‭ ‬البلاد‭ ‬للكهرباء‭. ‬وجاء‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬السعودية‮»‬،‭ ‬الأكثر‭ ‬طموحًا،‭ ‬مشتملا‭ ‬على‭ ‬16‭ ‬مفاعلا‭ ‬نوويا‭ ‬بحلول‭ ‬2032،‭ ‬بما‭ ‬تفوق‭ ‬طاقته‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الإجمالية‭ ‬15‭%‬‭ ‬من‭ ‬حاجة‭ ‬البلاد‭ ‬للكهرباء،‭ ‬فيما‭ ‬استمرت‭ ‬العوامل‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬تجعل‭ ‬مسألة‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬نقطة‭ ‬خلافية‭.‬

وجاء‭ ‬إطلاق‭ ‬برنامج‭ ‬‮«‬الإمارات‮»‬،‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2008،‭ ‬بعد‭ ‬تقييم‭ ‬شامل‭ ‬لاحتياجاتها‭ ‬المتزايدة‭ ‬من‭ ‬الطاقة،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة،‭ ‬آخذًا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أمن‭ ‬الإمدادات‭ ‬وإمكانات‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬والعوامل‭ ‬البيئية،‭ ‬والأمن‭ ‬والأمان‭ ‬والسلامة‭. ‬فيما‭ ‬غدت‭ ‬‮«‬الهيئة‭ ‬الاتحادية‭ ‬للرقابة‭ ‬النووية‮»‬،‭ ‬هي‭ ‬الجهة‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬الأمان‭ ‬والأمن،‭ ‬والاستخدامات‭ ‬السلمية‭ ‬لكافة‭ ‬أنشطة‭ ‬الدولة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالإشعاع‭ ‬والاستخدام‭ ‬النووي،‭ ‬وفقًا‭ ‬لمعايير‭ ‬أمان‭ ‬‮«‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‮»‬،‭ ‬و‮«‬رابطة‭ ‬المنظمين‭ ‬النوويين‭ ‬لأوروبا‭ ‬الغربية‮»‬،‭ ‬وأفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬الرقابية‭ ‬المعترف‭ ‬بها‭ ‬دوليًا‭. ‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬الهيئة‭ ‬الاتحادية‮»‬،‭ ‬تقوم‭ ‬بتنظيم‭ ‬وترخيص‭ ‬الأنشطة‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬والتي‭ ‬تتضمن‭ ‬المواد‭ ‬المشعة،‭ ‬والمصادر‭ ‬المشعة‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬النووي،‭ ‬والطب،‭ ‬والبحوث،‭ ‬واستكشاف‭ ‬النفط،‭ ‬وصناعات‭ ‬أخرى،‭ ‬وإصدار‭ ‬تصاريح‭ ‬الاستيراد‭ ‬والتصدير‭ ‬للمواد‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭.‬

وفي‭ ‬2009،‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬‮«‬مؤسسة‭ ‬الإمارات‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية»؛‭ ‬تلبية‭ ‬للأهداف‭ ‬المحددة‭ ‬المدرجة‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الدولة‭ ‬بشأن‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية؛‭ ‬بهدف‭ ‬توفير‭ ‬طاقة‭ ‬نووية‭ ‬آمنة‭ ‬صديقة‭ ‬للبيئة‭ ‬فعالة‭ ‬اقتصاديًا،‭ ‬مع‭ ‬تطوير‭ ‬كفاءات‭ ‬الكوادر‭ ‬البشرية،‭ ‬وبناء‭ ‬سعة‭ ‬تشغيلية‭ ‬نووية‭ ‬مستدامة‭. ‬وبموجب‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬تشرف‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬الوكالة‭ ‬الدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‮»‬،‭ ‬يتم‭ ‬إنشاء‭ ‬4‭ ‬محطات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬براكة‮»‬،‭ ‬بأبي‭ ‬ظبي،‭ ‬بقدرة‭ ‬1400‭ ‬ميجاوات‭ ‬لكل‭ ‬وحدة‭. ‬

ومنذ‭ ‬2012،‭ ‬وقعت‭ ‬‮«‬الإمارات‮»‬،‭ ‬اتفاقات‭ ‬تعاون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ (‬روسيا،‭ ‬واليابان،‭ ‬والأرجنتين،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭)‬،‭ ‬وفيما‭ ‬تحد‭ ‬هذه‭ ‬المحطات‭ ‬الأربعة‭ ‬من‭ ‬21‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الانبعاثات‭ ‬الكربونية‭ ‬سنويًا،‭ ‬فإنه‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬استضافتها‭ ‬لـ«كوب‭ ‬28‮»‬،‭ ‬أصبحت‭ ‬المحطات‭ ‬الثلاث‭ ‬الأولى‭ ‬تعمل‭ ‬بشكل‭ ‬تجاري،‭ ‬فيما‭ ‬أوشكت‭ ‬الرابعة‭ ‬على‭ ‬تمام‭ ‬الإنجاز‭. ‬فيما‭ ‬يُعد‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬براكة‮»‬،‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مشروعات‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬تقدمًا‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي،‭ ‬وأول‭ ‬مشروع‭ ‬جديد‭ ‬يتم‭ ‬إنجازه‭ ‬منذ‭ ‬27‭ ‬عاما،‭ ‬ويحقق‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬للإمارات‭ ‬استدامة‭ ‬شبكة‭ ‬الكهرباء،‭ ‬وموثوقيتها،‭ ‬ومرونتها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الـ60‭ ‬عاما‭ ‬المقبلة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭.‬

من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬فإنه‭ ‬بمقتضى‭ ‬المرسوم‭ ‬الملكي‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬2009،‭ ‬أصبح‭ ‬تطوير‭ ‬الطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬‮«‬أمرًا‭ ‬أساسيًا‮»‬،‭ ‬تحتاجه‭ ‬‮«‬السعودية‮»‬‭. ‬وفي2010،‭ ‬استجابة‭ ‬للأمر‭ ‬الملكي‭ ‬لعاهل‭ ‬البلاد‭ ‬–آنذاك‭- ‬‮«‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‮»‬،‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬الملك‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‮»‬،‭ ‬بهدف‭ ‬إدراجها‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الطاقة‭ ‬للمملكة‭.‬

وبينما‭ ‬تمتلك‭ ‬‮«‬الرياض‮»‬،‭ ‬قرابة‭ ‬60‭ ‬ألف‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬الخام،‭ ‬فإنها‭ ‬تخطط‭ ‬لاستخراجه،‭ ‬وتحقيق‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الوقود‭ ‬النووي،‭ ‬وتعتبر‭ ‬مسألة‭ ‬تخصيب‭ ‬اليورانيوم‭ ‬مسألة‭ ‬حساسة،‭ ‬لإمكان‭ ‬استخدامه‭ ‬عسكريًا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحتاج‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية‭ ‬إلى‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬5‭%‬‭. ‬ومع‭ ‬تنامي‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬المملكة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬استهلاك‭ ‬الكهرباء‭ ‬والماء،‭ ‬فقد‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬مصادر‭ ‬بديلة‭ ‬مستدامة‭ ‬موثوقة‭ ‬لتوليد‭ ‬الكهرباء‭ ‬وإنتاج‭ ‬المياه‭. ‬وبينما‭ ‬بلغت‭ ‬احتياجاتها‭ ‬45‭ ‬جيجاوات‭ ‬في‭ ‬2023،‭ ‬فإنها‭ ‬تحتاج‭ ‬120‭ ‬جيجاوات‭ ‬في‭ ‬2035،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تسعى‭ ‬فيه‭ ‬لتخفيض‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭.‬

ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬السعودية‮»‬،‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أعلنت‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬عزمها‭ ‬بناء‭ ‬16‭ ‬مفاعلًا‭ ‬نوويًا،‭ ‬بتكلفة‭ ‬تبلغ‭ ‬حينها‭ (‬80‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬2016،‭ ‬صدر‭ ‬الأمر‭ ‬السامي‭ ‬القاضي‭ ‬بإنشاء‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬المقدم‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬ويستهدف‭ ‬دخول‭ ‬‮«‬المملكة‮»‬،‭ ‬المجال‭ ‬النووي‭ ‬السلمي،‭ ‬حيث‭ ‬ستوفر‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬مصدرا‭ ‬آمنا،‭ ‬وفعالا،‭ ‬وموثوقا،‭ ‬وصديقا‭ ‬للبيئة،‭ ‬وتدعم‭ ‬استراتيجية‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭.‬

واشتمل‭ ‬البرنامج‭ ‬في‭ ‬مكونه‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية‭ ‬الكبيرة،‭ (‬ما‭ ‬بين‭ ‬1200‭-‬1600‭ ‬ميجاوات‭ ‬للمفاعل‭ ‬الواحد‭)‬،‭ ‬وتحديد‭ ‬وتهيئة‭ ‬مواقع‭ ‬بناء‭ ‬أول‭ ‬محطة‭ ‬طاقة‭ ‬نووية،‭ ‬وتجهيز‭ ‬بنياتها‭ ‬التحتية،‭ ‬وتأسيس‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬الملك‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‮»‬،‭ ‬للشركة‭ ‬‮«‬النووية‭ ‬القابضة‮»‬،‭ ‬لتكون‭ ‬كيانا‭ ‬قانونيا‭ ‬مستقلا‭ ‬معنيا‭ ‬بالمصالح‭ ‬التجارية‭ ‬للبرنامج‭ ‬الوطني‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬كما‭ ‬يشمل‭ ‬هذا‭ ‬المكون‭: ‬‮«‬دراسة‭ ‬تقنيات‭ ‬المفاعلات‭ ‬النووية،‭ ‬والدراسة‭ ‬الفنية‭ ‬الأولية‭ ‬للتصاميم‭ ‬الهندسية‮»‬‭. ‬أما‭ ‬المكون‭ ‬الثاني‭ ‬للبرنامج؛‭ ‬فهو‭ ‬توطين‭ ‬التقنيات‭ ‬وبناء‭ ‬المفاعلات‭ ‬الذرية‭ ‬الصغيرة‭ ‬المدمجة،‭ ‬والمكون‭ ‬الثالث؛‭ ‬هو‭ ‬دورة‭ ‬الوقود‭ ‬النووي،‭ ‬والمكون‭ ‬الرابع‭ ‬النظم‭ ‬والرقابة‭.‬

وفيما‭ ‬تقوم‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬الملك‭ ‬عبدالله‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬والمتجددة‮»‬،‭ ‬بأعمال‭ ‬المرحلة‭ ‬الثالثة‭ ‬والأخيرة‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬تهيئة‭ ‬أول‭ ‬محطة‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬مفاعلين،‭ ‬واعتمدت‭ ‬مفاعلات‭ ‬الماء‭ ‬الخفيف‭ ‬المضغوط‭ ‬كمعيار‭ ‬مثالي؛‭ ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬السلطات‭ ‬السعودية‭ ‬مؤخرًا‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬طلب‭ ‬إصدار‭ ‬رخصة‭ ‬لموقع‭ ‬المحطة‭ ‬النووية،‭ ‬بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬إعداد‭ ‬وثائق‭ ‬المواصفات‭ ‬الفنية‭ ‬للمنطقة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬طرحها‭ ‬في‭ ‬مناقصة‭ ‬دولية‭.‬

ويُعد‭ ‬مشروع‭ ‬مفاعل‭ ‬‮«‬سمارت‮»‬،‭ ‬أحد‭ ‬مكونات‭ ‬المشروع‭ ‬الوطني‭ ‬السعودي‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية،‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬‮«‬كوريا‭ ‬الجنوبية‮»‬،‭ ‬منذ‭ ‬2018،‭ ‬ويهدف‭ ‬إلى‭ ‬توطين‭ ‬المعرفة‭ ‬النووية،‭ ‬ودعم‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة،‭ ‬ودخول‭ ‬‮«‬المملكة‮»‬،‭ ‬كمطور‭ ‬ومالك‭ ‬ومصدر‭ ‬مستقبلًا‭ ‬لتقنيات‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭. ‬ويعتبر‭ ‬هذا‭ ‬المفاعل‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬الجيل‭ ‬الرابع‭ ‬الحديث‭ ‬جدًا،‭ ‬ويتميز‭ ‬بكونه‭ ‬متعدد‭ ‬التطبيقات،‭ ‬ترتفع‭ ‬فيه‭ ‬معايير‭ ‬السلامة،‭ ‬وسهولة‭ ‬إدخاله‭ ‬في‭ ‬الشبكة‭ ‬الكهربائية‭. ‬

ومن‭ ‬المعلوم،‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬من‭ ‬‮«‬كوريا‭ ‬الجنوبية‮»‬،‭ ‬و«الصين‮»‬،‭ ‬و«فرنسا‮»‬،‭ ‬و«روسيا‮»‬،‭ ‬و«أمريكا‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬تقدمت‭ ‬بعروض‭ ‬مبدئية‭ ‬لإنشاء‭ ‬المفاعلات،‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬البرنامج‭ ‬الوطني‭ ‬السعودي،‭ ‬وبلغت‭ ‬التكلفة‭ ‬التقديرية‭ ‬للمفاعل‭ ‬الواحد‭ ‬نحو‭ (‬7‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬يبلغ‭ ‬عمر‭ ‬المفاعل‭ ‬نحو‭ ‬100‭ ‬عام،‭ ‬وتتراوح‭ ‬فترة‭ ‬إنشائه‭ ‬بين‭ ‬12‭ ‬–‭ ‬15‭ ‬سنة‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬تُعد‭ ‬‮«‬الولايات‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬المنتج‭ ‬الأول‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬عالميًا‭ -‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬2008‭ ‬توقيع‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬مع‭ ‬السعودية،‭ ‬بشأن‭ ‬برنامج‭ ‬نووي‭ ‬سعودي‭ ‬مدني‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬البرنامج‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬الذرة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‮»‬‭- ‬فقد‭ ‬عقدت‭ ‬‮«‬الرياض‮»‬،‭ ‬محادثات‭ ‬مع‭ ‬‮«‬واشنطن‮»‬،‭ ‬للتعاون‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬السعودي،‭ ‬بلغت‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬2019،‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬وزير‭ ‬الطاقة‭ ‬الأمريكي‭ ‬–حينئذ‭- ‬‮«‬ريك‭ ‬بيري‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬العاهل‭ ‬السعودي‭ ‬الملك‭ ‬‮«‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‮»‬،‭ ‬وولي‭ ‬العهد‭ ‬الأمير‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬الرياض‮»‬،‭ ‬تخطط‭ ‬لبدء‭ ‬بناء‭ ‬محطتين،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬16‭ ‬مفاعلًا،‭ ‬وحينها‭ ‬تمت‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬سبعة‭ ‬تراخيص‭ ‬لشركات‭ ‬أمريكية‭ ‬سمح‭ ‬لها‭ ‬ببيع‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬للسعودية‭. ‬

فيما‭ ‬عاد‭ ‬التعاون‭ ‬‮«‬الأمريكي‭- ‬السعودي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬مؤخرًا،‭ ‬بعدما‭ ‬اقترحت‭ ‬‮«‬الرياض‮»‬،‭ ‬على‭ ‬‮«‬واشنطن‮»‬،‭ ‬إنشاء‭ ‬مشروع‭ ‬مشترك‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬لبناء‭ ‬برنامج‭ ‬نووي،‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬‮«‬أرامكو‭ ‬النووية»؛‭ ‬تهدف‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تحقيق‭ ‬طموحاتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬وتصديرها،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬معالجة‭ ‬المخاوف‭ ‬الأمريكية‭ ‬والدولية،‭ ‬بشأن‭ ‬انتشار‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬أثارت‭ ‬‮«‬المملكة‮»‬،‭ ‬إمكانية‭ ‬تأسيس‭ ‬‮«‬الشركة‭ ‬العربية‭ ‬الأمريكية‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬منح‭ ‬الشركات‭ ‬والكيانات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬دورًا‭ ‬في‭ ‬التطوير‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬السعودية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬القيام‭ ‬بتخصيب‭ ‬اليورانيوم‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭.‬

ومن‭ ‬الجدير‭ ‬بالذكر،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬السعودية‮»‬،‭ ‬دخلت‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬نووية‭ ‬مدنية‭ ‬ثنائية‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬وأنواع‭ ‬مختلفة،‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬الأرجنتين‮»‬،‭ ‬و«الصين‮»‬،‭ ‬و«فرنسا‮»‬،‭ ‬و«المجر‮»‬،‭ ‬و«كازاخستان‮»‬،‭ ‬و«روسيا‮»‬،‭ ‬و«كوريا‭ ‬الجنوبية»؛‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المفاوضات‭ ‬بشأن‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬السعودي‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬قد‭ ‬لاقت‭ ‬إصرارًا‭ ‬من‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬يمنع‭ ‬الدولة‭ ‬الموقعة‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الوقود‭ ‬النووي‭ ‬لمفاعلاتها‭ ‬داخل‭ ‬أراضيها،‭ ‬إذ‭ ‬تصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تستورد‭ ‬الدول‭ ‬الموقعة‭ ‬الوقود‭ ‬النووي‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬أجنبية‭.‬

يأتي‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬تأكيد‭ ‬‮«‬الرياض،‭ ‬سلمية‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي،‭ ‬وامتلاكها‭ ‬احتياطيات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬تناهز‭ ‬7‭%‬‭ ‬من‭ ‬الاحتياطي‭ ‬العالمي،‭ ‬وتطمح‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬قيادي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الوقود‭ ‬النووي،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬تصبح‭ ‬مصدرا‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬ترددت‭ ‬أمريكا‭ ‬كثيرًا،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬منافسين‭ ‬آخرين‭ ‬جاهزين،‭ ‬وتكون‭ ‬أمريكا‭ ‬بذلك‭ ‬قد‭ ‬خسرت‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬كسبها‭ ‬هؤلاء‭ ‬المنافسون‭.‬

على‭ ‬العموم،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يتابع‭ ‬السرعة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬بها‭ ‬إقبال‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬والمتجددة،‭ ‬يدرك‭ ‬تمامًا‭ ‬مدى‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الطاقة،‭ ‬رغم‭ ‬غناها‭ ‬بالنفط‭ ‬والغاز،‭ ‬وكأنها‭ ‬تسابق‭ ‬الزمن‭ ‬لتحقيق‭ ‬تنافسيتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬ويعد‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬سياسات‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لهذه‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تجنبها‭ ‬تقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬وتداعياتها‭ ‬على‭ ‬أوضاعها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وتعزز‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ميزاتها‭ ‬النسبية‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬والمتجددة،‭ ‬بقدراتها‭ ‬التمويلية‭ ‬في‭ ‬الإنشاءات‭ ‬والتشغيل‭ ‬واكتساب‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الجديدة،‭ ‬كما‭ ‬تعزز‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬محليًا‭ ‬وعالميًا‭.‬

{ انتهى  }
bottom of page