top of page
31/10/2019

ما وراء تخوفات «حزب الله» من المظاهرات اللبنانية

يشهد لبنان منذ 16 أكتوبر الجاري مظاهرات شعبية في معظم المدن الرئيسية -فيما تُعد أكبر مظاهرات تشهدها بيروت منذ 2005- احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية المتردية المتمثلة في تزايد معدلات البطالة والفقر والارتفاع غير المسبوق في التضخم، وتوقف النمو الاقتصادي؛ لكن المتظاهرين يدركون أن هذه الأوضاع هي «عرض» وليس «مرض»، لذلك جاءت مطالبهم أيضا سياسية بإسقاط النظام السياسي، الأمر الذي أدى إلى ظهور عدة مخاوف لدى «حزب الله» من فقدان سيطرته على المشهد اللبناني، جراء سقوط حكومة يسيطر على زمامها بما يخدم مصالحه، والأكثر من ذلك التخوف من سقوط نظام المحاصصة الطائفية بما يهدد الوجود السياسي للحزب.
وفي ضوء هذه المظاهرات، ألقى حسن نصر الله – الأمين العام لحزب الله- خطابا على المتظاهرين، يوم 25 أكتوبر، يحمل إشارات هي أشبه بإنذار أخير، مفاده بأن البلد متجهة نحو فوضى لو استمر الوضع على الإيقاع نفسه، متحديًا إرادة اللبنانيين في ظل تأكيده أن هذه الحكومة لن تسقط. 
وكان «نصر الله» قبل إلقاء خطابه أمام خيارين؛ إما التضامن مع الشارع ولو في الحد الأدنى بالمطالبة باستقالة الحكومة وتشكيل حكومة اختصاصيين قادرة على كسب ثقة اللبنانيين، تعمل على إنقاذ البلاد من أزماتها المتراكمة، وفتح الطريق أمام سلسلة إجراءات ملموسة كمحاسبة كبار الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة وتعيد بالتالي الثقة في الدولة، فيكسب الشارع؛ وإما التمسك بالنظام الطائفي، الذي يعتبره اللبنانيون نظام الفساد والنهب والذي قاد البلاد إلى هذا المصير المجهول.
وبتحليل مضمون كلمة الأمين العام لحزب الله، نجد أن خطابه جاء مرجحا الخيار الأخير، مبرزا مخاوف الحزب من تطورات هذه المظاهرات.. فبعد أن قدم تفهمه لمطالب المتظاهرين وتحدث عن تعاطفه وتضامنه معهم، متناولا حجم الأزمة الاقتصادية والمعيشية بعدما نوه بخروج المتظاهرين والمعتصمين عن العباءة المذهبية والطائفية وتوزعهم على مساحة الوطن، والتنويه بما حققه حراكهم من ضغط على الحكومة للوصول إلى ما وصلت إليه من قرارات اقتصادية وإدارية ومالية واجتماعية؛ لدرجة أن من استمع إليه اعتقد لوهلة أنه سينهي خطابه ليدعو أنصاره إلى الانضمام إلى «الحراك الراقي»، نجده بعد كل هذا يدعي أن هذه المظاهرات ممولة من جهات أجنبية تناصب العداء للبنان، وأن الحراك يمكن أن يؤدي إلى «حرب أهلية» محتملة، رافضا دعوات متصاعدة مطالبة باستقالة الحكومة والرئيس، قائلا: «لا نقبل الذهاب إلى الفراغ، لا نقبل إسقاط العهد، ولا نؤيد استقالة الحكومة، ولا نقبل الآن بانتخابات نيابية مبكرة».
ووفقا للعديد من المحللين، فإن هذا الخطاب يبرز عدة مخاوف لحزب الله من هذه المظاهرات، تتمثل في:
أولا: فقدان السيطرة على المشهد اللبناني، إذ جاءت هذه المظاهرات ولأول مرة في لبنان وطنية خالصة بغض النظر عن الحدود الطائفية والسياسية والمذهبية بينهم، فقد غابت عنها رايات الأحزاب والقوى السياسية، التي طالما ميزت التحركات السياسية والشعبية في البلاد. يقول «نيكولاس فراكس» لـ«موقع المونيتور»، إن «الاختلاف الرئيسي بين هذه الاحتجاجات وما سبقها هو عدم ربط الدين بالمظاهرات، ومن ثمّ، يبقى هناك احتمال أن «يسعى المتظاهرون إلى إسقاط تلك القوى التي فرضت عليهم هذا الوضع من خلال سيطرتها على مواردهم ومقدرات بلادهم لعقود». 
وفي ضوء هذا التخوف استعمل «نصر الله» استراتيجيتين متناقضتين هما؛ الإقناع والتلويح بالقوة؛ فحاول في خطابه استمالة المتظاهرين من خلال التأكيد أن رسالتهم قد وصلت إلى المسؤولين قوية، وأن هذا سيدفع بروح ومنهجية عمل جديدة في برامج الحكومة، مؤكدا في الوقت ذاته أن «إسقاط الحكومة ليس في صالح الجميع، لأنه سيقود إلى حدوث فراغ سياسي في السلطة قد يمتد إلى وقت طويل». وبالتالي اعتمد في هذه الاستراتيجية على رسم البديل السيئ للمتظاهرين ليثنيهم عن مطالبتهم بإسقاط النظام السياسي. فيما اعتمد أيضا على الظهور في صورة مغايرة عن الصورة التي اعتاد اللبنانيون أن يشاهدوها في خطابه، فبدلا من وضع راية حزب الله خلفه أثناء الخطاب، وضع علم لبنان، وهو ما يؤكد إدراكه طبيعة المظاهرات، ورغبته في إعادة السيطرة على المشهد الإقليمي الذي شعر بفقدانه. ومع ذلك يبدو أن هذه المحاولات قد فشلت في استمالة المتظاهرين، خاصة وأنه كان يبرز نفسه باعتباره سيد العهد اللبناني، وأنه الذي يحدد ما هو ممكن وما هو غير ممكن، ولا يوجد زعيم في العالم يستطيع الفصل في إرادة الشعوب. 
أما استراتيجية القوة، فقد اتضحت عندما نفّذ في الأيام الأخيرة مؤيدون لحزب الله وللتيار الوطني الحرّ تظاهرات مضادة في مناطق مختلفة مثل ضاحية بيروت الجنوبية ومدينتي النبطية وصور جنوبا، ملوّحين بأعلام الحزب؛ ما تسبب في حدوث اشتباكات مع المتظاهرين أطلقت خلالها مليشياته النار عليهم، الأمر الذي زاد من حدة المعارضة للحزب على نطاق واسع. 
ثانيا: إمكانية إسقاط الحكومة، وعمل الحزب جاهدا للسيطرة على هذه الحكومة، من خلال وزرائه الثلاثة بها، فضلا عن الوزراء الثلاثة الآخرين المنتمين إلى حركة «أمل». وكمثل كل الأطراف الأخرى يستفيد من خلال مشاركته في إدارة شؤون الدولة، وكذلك التربح من خلال انتشار الفساد والمحسوبية. يؤكد «ماردو سوغوم» في «إذاعة أوروبا الحرة»، أن «السبب الحقيقي وراء دعوة حزب الله لإنقاذ الحكومة هو أنه بعد ما يقرب من عقدين من الزمان، نجحت جهوده في أن يصبح طرفا رئيسيا في المعادلة السياسية بلبنان، والآن، ليس لديه رغبة في المخاطرة بمكاسبه».
ويعني إسقاط الحكومة فقدان الكثير من هذه السيطرة، خاصة في حال تم إجراء انتخابات جديدة، في ظل فشله في إيجاد برامج تحدث إنعاشا في الاقتصاد اللبناني، مع مروره بضائقة مالية نتيجة الحصار والعقوبات المفروضة على إيران من جانب، وعليه من جانب آخر، الأمر الذي جعله يمارس حيال أنصاره وحاضنته الشعبية تقشفا حادا في الوقت الذي تتدهور أحوال البلاد الاقتصادية والمالية. 
علاوة على ذلك، فإن إسقاط الحكومة يعني تكوين حكومة من التكنوقراط للنهوض بالاقتصاد اللبناني بعيدا عن أي انتماءات سياسية، خاصة مع إشارة العديد من المراقبين إلى أنه «في حال تم تشكيلها على هذا النحو ستعمل أوروبا على تفعيل مقررات مؤتمر «سيدر»، ورفد الاقتصاد اللبناني بـ11 مليار دولار، ومعها حوالي 6 مليارات من الدول العربية للنهوض بالاقتصاد». وإذا ما حدث ذلك فربما يهدد بقاء النظام السياسي اللبناني القائم؛ لذلك كان نصر الله يؤكد في خطابه على «وجود تمويلات خارجية لهذه التظاهرات»، مشيرًا إلى أن الحزب إذ تأتيه تمويلات خارجية فهو يستخدمها للدفاع عن البلاد، بل إنه استخدم لفظ المقاومة وليس الحزب لإضفاء الشرعية على تمويلاته، على خلاف تمويلات التظاهرات، وهو ما يبرز تخوفه من تشكيل حكومة من التكنوقراط. وردا على ادعائه بوجود جهات خارجية تقف خلف الحراك اللبناني انتشرت فيديوهات ساخرة للبنانيين حملت عنوان «أنا ممول الثورة»، عبّر فيها اللبنانيون عن رأيهم في خطاب نصر الله.
ثالثا: انهيار نظام المحاصصة، الذي أسُس عليه كل من الدستور اللبناني واتفاق الطائف، والاعتماد على حكومات وطنية بغض النظر عن انتماءاتها السياسية أو الطائفية؛ ولذلك جاء الخطاب مؤكدا أنه «لا مساس بالعهد اللبناني، وأن أي تغيير فيه سيقود البلاد إلى حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس». 
ويضمن هذا النظام لحزب الله وحركة أمل والأحزاب ذات الصبغة الشيعية عددا ثابتا من المقاعد، فضلا عن رئاستهم لمجلس النواب، وبالتالي فإن تغيير هذا النظام، مع فقدان الحزب لكثير من شعبيته، ووجود تهم فساد تطول قياداته، سوف يؤدي إلى زعزعة الوجود الشرعي له في البلاد. ففي الوقت الذي يمتلك فيه حاليا قوة عسكرية يستطيع بمقتضاها فرض وجهة نظره في كثير من الأمور، ستكون هذه القوة حينها فاقدة للشرعية القانونية.
وبعيدا عن هذه التخوفات، يشير المشهد اللبناني الحالي إلى أمرين يمثلان معضلة حقيقية؛ أولهما، عدم وجود أمل بتغيير كبير في ضوء قدرة «حزب الله» على الدفاع عن المكاسب التي حقّقها، وبالتالي، فالتغيير المحتمل هو تغيير محدود؛ ثانيهما، صعوبة عدم الاستجابة للمتظاهرين -على الرغم من كلّ ما يمتلكه الحزب من سلاح ورجال- وذلك لعوامل عدّة من بينها التململ الشيعي على كلّ المستويات من جهة، وبداية وعي لخطورة ما يشكلّه الحزب على مستقبل كل شيعي لبناني من جهة أخرى؛ وبصورة أخرى صار كلّ شيعي لبناني تحت المجهر عربيا ودوليا بسبب «حزب الله». وبالتالي إذا كان حفاظ الحزب على كثير من مكتسباته ممكنا في الوقت الحالي، فإن استمرار نظام المحاصصة مستقبلا يعد أمرا مشكوكا فيه، مع استمرار حصار إيران، وقلة الدعم المادي للحزب. 
وعليه، ليس من المستبعد أن تشهد الأيام المقبلة المزيد من الاعتداءات على المتظاهرين تنفّذها عناصر من «حزب الله»، في محاولة لتأكيد المكتسبات السياسية القائمة منذ عام 2016. غير أن ذلك سيصطدم بما تشهده الأرض اللبنانية من انتفاضة واضحة على «حزب الله» بكلّ ما يمثله، ومن ثمّ، لن يبقى أمامه غير المراهنة على عامل الوقت، مع الاستمرار في إحداث تغييرات محدودة تؤدي إلى انتهاء الاحتجاجات ولو إلى حين.
على العموم، إن ما يقوم به «حزب الله» من محاولات لترويع المتظاهرين لا تقول إلا شيئا واحدا، وهو أن هذا الفريق الذي خطف لبنان طوال السنوات الماضية يريد جعل البلاد أسيرة للمشروع الإيراني العابر للحدود الذي يفتخر بالسيطرة على 4 عواصم عربية منها بيروت.. هذا الفريق الذي لا يريد استقالة الحكومة أو إقالتها لا يسعى لإنقاذ البلاد أو التخوف من الدخول في حالة جديدة من «عدم اليقين السياسي والاقتصادي»، بل يريد «التحويط» على بقاء لبنان وحكومته «كأداة وظيفية» لتحقيق مصالحه، وليس له علاقة من قريب أو بعيد بأحلام المتظاهرين في العيش الكريم. فماذا سيفعل «نصر الله» بعد إستقالة حكومة سعد الحريري؟

{ انتهى  }
bottom of page