top of page
22/ 13

الحلقة النقاشية الثالثة عشر: العراق بعد الاستفتاء على الدستور.. الإشكاليات والتداعيات المحتملة

17/11/2005

كان احتلال القوات الأمريكية للعراق في التاسع من أبريل العام 2003 إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في هذا البلد، أنهت الحكم البعثي بمؤسساته المختلفة وقوانينه، وعلى رأسها الدستور، تمهيدًا لبناء دولة جديدة على أسس مغايرة، تحقق بالأساس الأهداف والمصالح الأمريكية في المنطقة والعالم. وخلال أكثر من عامين ونصف العام من الاحتلال مر العراق بمراحل وتطورات عدة، خضعت كلها لمؤثرين هامين ومترابطين، هما: أجندة الولايات المتحدة في هذا البلد، والطائفية المتجذرة فيه، والتي كرستها سلطات الاحتلال، وعملت على ترسيخها في مؤسسات الدولة الرسمية كإحدى الآليات لتطبيق هذه الأجندة.

وبفضل هذين المؤثرين أخذت مجمل الأوضاع في العراق خلال هذه الفترة ( منذ بداية الاحتلال وحتى إقرار الدستور) تتجه نحو الأسوأ باستمرار؛ فعلى المستوى الأمني، شهد العراق تدهورًا أمنيًا غير مسبوق، ظهرت ملامحه في العديد من المؤشرات، أهمها: تصاعد أعمال العنف وتعدد أشكالها؛ حيث اتخذ التصعيد الأمني على مدى العامين الماضيين بعدين رئيسيين، الأول: من جانب القوات الأمريكية والعراقية، والتي وسعت من نطاق العمليات العسكرية التي تشنها ضد مدن "المثلث السني"، بهدف القضاء على ما تصفه بالتمرد، والجماعات الإرهابية فيها، وإخضاعها لسلطة الحكومة، مما أسفر عن وقوع مآس إنسانية كبيرة، تمثلت في سقوط آلاف القتلى والمصابين، أما الثاني فيتمثل في أعمال العنف والمقاومة التي تشنها الجماعات المسلحة ضد قوات الاحتلال وقوات الأمن العراقية والمدنيين العراقيين... ويوضح تحليل الإحصاءات الصادرة عن مؤسسات أمريكية ودولية وعراقية مدى التدهور الأمني الذي شهده ويشهده العراق؛ إذ قدرت أعداد القتلى والمصابين في صفوف المدنيين بحسب آخر الإحصائيات الصادرة عن الجيش الأمريكي نفسه بنحو 26 ألف مدني خلال الفترة من يناير 2004 وحتى 16 سبتمبر 2005، فضلاً عن تدمير البنى التحتية، وهدم آلاف المنازل، ونزوح عشرات الآلاف من مدنهم(1)، كما أشارت دراسة أعدها علماء أمريكيون إلى أن عدد العراقيين الذين قتلوا منذ الغزو وحتى الآن بلغ نحو 100 ألف شخص( 2) فيما قدر تقرير حكومي عراقي، صدر يوم 5 أبريل 2005، هذا العدد بنحو 6آلاف قتيل، ونحو 16 ألف مصاب، إضافة إلى نحو 5 آلاف مختطف. كما قدر هذا التقرير عدد المسلحين بنحو 110 آلاف مسلح(3)، فيما أوضحت تقديرات أخرى نشرت على بعض المواقع الإلكترونية إلى أن ما بين 17 - 20 ألف عراقي لقوا حتفهم خلال هذه الفترة. ويرجع الخبراء هذا التضارب في أرقام القتلى، العراقيين إلى اختلاف الزاوية التي تنظر إليها التقارير في تقدير حجم القتلى وعلاقة ذلك بالاحتلال الأمريكي، لاسيما مع تصاعد الأنشطة الإجرامية، وانتشار الجماعات المسلحة، فضلاً عن أن نسبة كبيرة من العراقيين يلقون حتفهم نتيجة أسباب أخرى ليست ذات صلة مباشرة بالاحتلال، منها: عمليات القتال بين الميليشيات المسلحة، والعداءات الشخصية، والصراعات العشائرية التي انتشرت بعد الغزو.

والأخطر من كل ذلك، أن النزعة الطائفية تجذرت في المجتمع بشكل غير مسبوق، بل وتزايدت الدلائل التي تؤكد أن هذا البلد أصبح يعيش، على الأقل، المراحل الأولى من حرب عرقية وطائفية قد تنتهي إلى تفتيته وانهياره، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي إلى الاعتراف في خطابه بمناسبة مرور عام على نقل السيادة إلى العراقيين بأن الوضع صعب للغاية، وأن طريق الحرية لن يكون سهلاً، متراجعًا عن مقولته السابقة، والتي كررها مرارًا بأن العراق أصبح نموذجًا يحتذى به في الإصلاح والتغيير في منطقة الشرق الأوسط.

bottom of page