top of page

30/3/2022

تحديات كبيرة أمام فرص إحلال السلام في أوكرانيا

حتى الآن لم يُظهر الصراع في أوكرانيا أي بوادر لنهاية قريبًا، حيث فشلت القوى الدولية في إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب قواته. وفي قمة الناتو التي عُقدت في بروكسل يوم 24 مارس 2022، قاد الرئيس الأمريكي، جو بايدن إن الدول الغربية مرة أخرى في جبهة موحدة ضد موسكو، معلنا زيادة كبيرة لقوات الناتو في أوروبا الشرقية، خشية أن يوسع بوتين حربه بمهاجمة الدول الأعضاء المجاورة لروسيا.

 

ويعكس الاحتمال المتزايد بنشوب صراع طويل الأمد، حقيقة أنه بدون بذل المزيد من الجهود الدولية المنسقة للوساطة، لن توقف موسكو هجومها على أوكرانيا، رغم انتكاساتها الملحوظة في ساحة المعركة.

 

وخلال قمة الناتو التي صاحبتها اجتماعات بين الولايات المتحدة والمجلس الأوروبي، أعلنت الدول الغربية عدة إجراءات جديدة لدعم أوكرانيا، ومعاقبة روسيا بشكل أكبر. وبالنظر إلى نطاق العقوبات الاقتصادية الحالية، فقد شكلت صياغة المزيد منها لتقييد روسيا دوليًا، تحديًا لمقرري السياسة الغربيين. وأشار ديفيد سانجر في صحيفة نيويورك تايمز إلى أن اقتراح بايدن بعقد قمة لحلف الناتو، فاجأ بعض الدبلوماسيين الأوروبيين، وأنهم اضطروا إلى ابتداع مبادرات بسرعة، ليظهروا أنهم لن يتحدثوا فقط عن الأزمة. ومع ذلك، كان من الواضح أن الهدف الأساسي للقمة، هو إظهار المزيد من الوحدة الغربية، وقد نجح ذلك. وأفادت أشلي باركر، وتايلر بيجر، وإميلي راوهالا، في صحيفة واشنطن بوست، بأن القادة في بروكسل عززوا بالفعل الموقف الصارم ضد روسيا.

 

وفيما يتعلق بأمن أوروبا، كان أبرز ما جاء في القمة هو إعلان نشر أربع مجموعات قتالية جديدة تابعة للحلف في الدول الأعضاء في أوروبا الشرقية، وهي المجر، ورومانيا، وسلوفاكيا، وبلغاريا. وستنضم هذه القوات إلى مجموعات القتال الموجودة في بولندا ودول البلطيق، والتي تضم بالفعل حوالي 40.000 فرد. وأشار روبي جرامر، وجاك ديتش، في مجلة فورين بوليسي، إلى أن الناتو لم يكثر في التفاصيل، حول عمليات الانتشار الجديدة تلك، ولكن الإعلان الأخير يشير إلى تغيير في وجهة نظر المخططين العسكريين للحلف بشأن جناحه الشرقي.

 

وعلقت لورين سبيرانزا، من مركز تحليل السياسة الأوروبية، بأن هذه الخطوة المتأخرة، تُظهر تحولًا من موقف الردع من خلال انتظار الخطأ واستغلاله، إلى الردع بالدفاع المتقدم. وأشار ينس ستولتنبرغ الأمين العام للحلف إلى أن القادة الغربيين وافقوا على تعزيز موقف الناتو في شتى الميادين برا وبحرا وجوا.

 

ولكبح موسكو عسكريًا ضاعف الاتحاد الأوروبي مساعدته المخطط لها من 500 مليون يورو إلى مليار يورو. وذكرت قناة دويتشه فيله، أن الأموال ستُستخدم لشراء معدات وإمدادات كمعدات الحماية الشخصية، وأدوات الإسعافات الأولية والوقود، فضلاً عن معدات ومنصات عسكرية فتاكة. كما ستضاعف المملكة المتحدة عدد الصواريخ الدفاعية التي ترسلها إلى أوكرانيا إلى 6000 صاروخ، بالإضافة إلى عرض 25 مليون جنيه إسترليني من وزارة الخارجية لمساعدة كييف في دفع أجور مقاتليها.

 

من ناحية أخرى، تعمل واشنطن على دفع حلفائها الأوروبيين إلى تقليل اعتمادهم على النفط والغاز الروسي. وبالفعل، تم التوصل إلى اتفاقية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإمداد الأخير بما لا يقل عن 15 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي بحلول نهاية عام 2022. ووفقًا لـ«سانجر»، فرغم أن موسكو، أصبحت ضعيفة الآن؛ لأنها تعيش على مصدر دخل رئيسي واحد، وهو إدمان أوروبا للوقود الروسي، فإنه لا تزال هناك عقبات بين بروكسل، وواشنطن، بشأن إحداث تغييرات واسعة النطاق.

 

ومن جانبه، رفض المستشار الألماني أولاف شولتس دعم الحظر الفوري لواردات الطاقة الروسية، مشيرًا إلى أن ذلك يمثل مخاطرة بـ«إغراق» بلدنا وكل أوروبا في ركود. وأوضح لورنز جيرك، وهانز بورشارد في مجلة بوليتيكو، أن موقف شولتز يعكس رفضا صريحا للدعوات التي وجهتها دول أوروبية لاتخاذ إجراءات ضد صادرات الوقود، التي يعتمد عليها الاقتصاد الروسي. وتزود موسكو أوروبا حاليًا بحوالي 216 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال من إجمالي استخدام يبلغ حوالي 541 مليار متر مكعب، مما يعني أن مساهمة الولايات المتحدة -المخطط لها- لن تكون كافية تقريبًا لتعويض فقدان الطاقة الروسية.

 

وعليه، يبدو أن الاتحاد الأوروبي، والناتو، تجاوزا الاعتماد على الدبلوماسية لردع الهجمات الروسية في أوروبا، وبدلاً من ذلك، تبنوا شكلاً أكثر تقليدية للردع على أساس ديناميكيات القوة. وفي حين أن هذا قد يكون أكثر نجاحًا في حماية الأمن الأوروبي، فإن فرص استخدام الدبلوماسية لإنهاء هذا الصراع تتضاءل كل يوم. وأشار سانجر، إلى أنه بعد شهر من الغزو، كان الجو السائد في اجتماع الناتو الاستثنائي، مزيجًا من الخوف والشعور بوجود فرصة لتحقيق نصر، كما كان هناك أيضا شعور بالخطر أن مشاهد الدمار والعنف يمكن أن تستمر لأشهر أو سنوات قادمة، ما طغى على رؤيتهم لاحتمالية التوصل إلى سلام من خلال التفاوض قريبًا. وكما أوضحت ايمي نيلسون، وألكسندر مونتغمري، من معهد بروكينجز، فإنه منذ اندلاع الحرب، نجحت الاستجابات المنسقة بين دول الناتو في منع نشوب نزاع عنيف بين الحلف وروسيا. وخلال القمة، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن فرنسا قررت تكثيف العمل لمنع التصعيد، رغم أنه لم يحدد أي إجراءات سياسية.

 

وفي تعليقه على حاجة الناتو للنظر بشكل أفضل في دفاعاته، وفي موقفه الرادع؛ حذر جون راين، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، من أن الالتزام بسياسة عدم التدخل خوفًا من التصعيد يهدد بالإضرار بمصداقية الحلف وتقويض قيم ما فعله بالفعل.. متسائلًا هل هناك مخرج من فخ التصعيد، مضيفا أن الناتو لديه فرصة لإعادة النظر في مقاومة روسيا عسكريًا، حيث إن أحد الدروس المستفادة حتى الآن من أوكرانيا، هو أنه لا يمكن ردع موسكو عن استخدام القوة العسكرية على نطاق واسع، في ظل موقف الناتو الحالي، ولا عن طريق عقوبات جديدة.

 

وبتفصيل أكثر، يرى باري بافل، من المجلس الأطلسي، أنه إذا كان بوتين شجعه النجاح في أوكرانيا، فقد يصبح أكثر جرأة في جهوده للسيطرة والانتقال إلى مناطق الضعف المتصورة داخل أوروبا الشرقية. وبالمثل، حذر نيلسون، ومونتغمري، من أنه في حين أن هدف خفض التصعيد، هو هدف حاسم؛ إلا أنه قد يُعطي انطباعًا بالعجز ويمنح زمام المبادرة للرئيس الروسي.

 

ومع ذلك، فإن فكرة ما يسمى بـ«الخطوط الحمراء»، حيال التصرفات الروسية في أوكرانيا، لا تزال مثيرة للجدل. وبينما علق بايدن، خلال قمة الناتو، بأن الحلف سيرد على أي هجوم كيماوي روسي ضد كييف؛ أوضح سانجر أن الرئيس الأمريكي عندما سُئل عن طبيعة الرد، تجنب السؤال. وعند تحليل هذا التحفظ للتعليق، أشار ويسلي كلارك القائد الأعلى السابق لحلف شمال الأطلسي إلى أن إصدار تصريحات عامة بشأن هذه المسألة، سيكون دعوة لمزيد من التصعيد من جانب روسيا.

 

وعلى الرغم من الخطاب الدبلوماسي والسياسي بين الناتو والقادة الأوروبيين في القمة تظل الحقيقة أن القتال على الأرض في أوكرانيا هو المحدد الرئيسي للتصعيد أو عدمه في المستقبل. وعلى وجه الخصوص، يُشار إلى الانتكاسات العسكرية التي مُنيت بها روسيا على أنها السبب الرئيسي لانتهاء الصراع قريبًا. وكتب سانجر، انه قبل الغزو، افترض قادة الناتو أن موسكو لا يمكن إيقافها، وأنه وفقًا لخطة الحرب الخاصة بها، ستنتشر عبر أوكرانيا في غضون 30 يومًا لفرض الاستسلام. أما الآن، وكما أوضح أندرو كرامر، في صحيفة نيويورك تايمز، فإن القوات الأوكرانية تقوم بهجوم مضاد؛ غيّر الديناميكية المركزية للقتال، مما يعني أن السؤال لم يعد إلى أي مدى تتقدم القوات الروسية؛ ولكن ما إذا كان الأوكرانيون يدفعونهم الآن إلى الخلف.

 

وإذا ذهبنا إلى أبعد من ذلك، فإن احتمال نشوب صراع طويل الأمد في أوروبا الشرقية، قد يؤدي إلى توتر العلاقات داخل الحلف. وعلى الرغم من ادعاء بايدن خلال القمة أن التحالف لا يزال قويًا، وموحدًا كما كان عليه في أي وقت مضى؛ فقد كانت هناك توقعات بانقسام الصف. ومن ناحية أخرى، يبدو أن غزو أوكرانيا، قد أدى إلى تنشيط مفاجئ للحلف. وحذر توم تاغ، في مجلة ذي أتلاتنيك، من أن المشاكل في الناتو لا تزال متجذرة. ووفقًا لـ«هانس بينينديك»، من المجلس الأطلسي، ودانيال هاميلتون، من معهد بروكينجز، فإن الغزو أكد حاجة أوروبا إلى تحمل مسؤولية استراتيجية أكبر للذود عن نفسها، بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي تسبب في حدوث انقسامات بين واشنطن وأوروبا من قبل.

 

وفي ضوء هذه الديناميكيات، فإن السعي لإجراء عملية تفاوضية قد تكون حاسمة. ومع ذلك، فإن عدم مشاركة بعض الدول القادرة على التأثير على روسيا في الجهود الدبلوماسية قد قُوبل بالإدانة. وبشكل خاص، انتقد المعلقون دور الصين والهند في الاضطلاع بدور دبلوماسي أكثر فاعلية. وربما يكون من دواعي القلق أيضا، استمرار رفض موسكو، التعامل بشكل مثمر مع هؤلاء الفاعلين الخارجيين، سواء كانوا غربيين أو غيرهم. وذكر جون هدسون، في صحيفة واشنطن بوست، أن محاولات إقامة حوار بين كبار مسؤولي الدفاع الأمريكيين مع نظرائهم الروس، قد رفضتها موسكو الشهر الماضي. وعلى وجه الخصوص، استشهد هدسون، بكيفية رفض روسيا التحدث مع وزير الدفاع الأمريكي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة.

 

وفي مُعرض توضيحه لمخاطر هذا الموقف، أشار سام شاراب، من مؤسسة راند، إلى أن المشاركة الاستراتيجية، بين واشنطن، وموسكو، ليست ضرورية للتوصل إلى تسوية في أوكرانيا، ولكن أيضًا لتجنب العوارض وسوء الفهم. إضافة إلى ذلك، علق شاراب، أنه عندما لا يكون هناك اتصال على هذا المستوى، فإن أسوأ الافتراضات للقادة العسكريين من المرجح أن تكون المُحرك لسلوكهم؛ مما يزيد من مخاطر التصعيد، وهو ما يبين سبب اختيار الناتو نهجا جديدا للأمن في أوروبا.

 

على العموم، فإنه من خلال قمة الناتو الأخيرة، يتضح أن فرص أي تسوية -بوساطة غربية- لهذا الصراع تتضاءل، مقابل التوترات المتزايدة بين التحالف وموسكو. ومع ذلك، فإن آفاق السلام قد تعود مرة أخرى؛ حيث ليس بمقدور أي من الطرفين أن يدعي النصر حتى الآن. وأوضح سمير بوري، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن البحث عن نهاية تفاوضية للحرب يبدو سابقًا لأوانه، وأن المحادثات الجارية، يجب التعامل معها بتوجس؛ نظرًا إلى عدم معرفة نوايا بوتين الحقيقية في أوكرانيا. ومع ذلك، فقد خلص، إلى أنه لن يكون هناك انتصار مطلق في المعركة، مما يجعل التوصل إلى تسوية تفاوضية أكثر احتمالية، ولكن أيضًا بسبب القضايا المعقدة المطروحة، قد يتطلب هذا السلام وساطة دولية، وكذلك ضامنين خارجيين لضمان التزام دائم من قبل الموقعين.

{ انتهى  }
bottom of page