top of page
12/7/2019

مسالك الصين البديلة في الحرب التجارية مع أمريكا

وضعت السياسة الاقتصادية الصينية هدفًا لها، وهو ألا يقل معدل النمو السنوي المحقق عن 7%، حتى تستطيع توفير فرص توظيف للداخلين الجدد إلى سوق العمل، فضلاً عن العمالة المتحولة من الريف إلى المدن ومن القطاع العام إلى القطاع الخاص، ولهذا اتخذت من استراتيجية التصنيع والتصدير، التي سار عليها قبل ذلك الاقتصاد الياباني، وتبعته النمور الآسيوية في جيلها الأول: سنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية وهونج كونج آلياتها لتحقيق هذا الهدف، وتجاوزته في العقود الأربعة الماضية، حيث كان الاقتصاد الصيني يحقق معدلات نمو يتجاوز متوسطها 10% سنويًّا.
ومع انخفاض كلفة العمالة المقارنة وارتفاع الإنتاجية، وتوفير مناخ استثمار آمن ومستقر، غدت الصين قبلة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فأخذت الشركات الدولية النشاط، والمستثمرون من جميع أرجاء العالم يفدون إلى الصين ويوجهون إليها استثماراتهم، بما في ذلك المستثمرون من الولايات المتحدة الأمريكية، وحتى في ظل الحرب التجارية القائمة بين واشنطن وبكين، نجد أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين في الثلاثة الشهور الأولى من العام الحالي 2019 قد حققت نموًّا بنسبة 6.5% بقيمة نحو 36.2 مليار دولار، وحققت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة من الولايات المتحدة إلى الصين زيادة بنسبة 71.3% عن نظيرتها في عام 2018.
مراكمة معدلات النمو الاقتصادي العالية المستمرة على المدى السنوات من 1978 حين استهلت الصين سياسة الانفتاح الاقتصادي إلى الآن، أحدث نقلة نوعية كبرى للاقتصاد الصيني، فصار هذا الاقتصاد الآن ثاني أكبر اقتصاديات العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية
وكما استهدفت الصين أن تصبح هدفًا للإنتاج العالمي، وأن تصبح مصنع العالم، فإن الأزمات التي تعرض لها النمو الصيني في مسيرته، من الأزمة المالية الآسيوية قرب نهاية تسعينيات القرن الماضي إلى الأزمة المالية العالمية في 2008. قد جعلت السياسة الاقتصادية الصينية تحصّن هدف تعزيز النمو عن طريق تنمية الاستهلاك المحلي، مستفيدة من سوقها الداخلي الكبير، فهي أكبر دول العالم سكانًا بعدد يزيد على خمس سكانه (أكثر من 1.35 مليار نسمة)، ومع تزايد دخول الصينيين ترتفع مشترياتهم، وعن طريق زيادة الاستثمار والنشاط الاقتصادي في وسط الصين وغربها وعدم تركيزه في شرق وجنوب شرق الصين، وزيادة الاستثمارات الصينية في بلدان العالم النامية، وزيادة الإنفاق على البنى التحتية الصينية، كمشروع تمديد ما يقرب من 30 ألف كم سكك حديدية فائقة السرعة.
وقد مكّنت هذه السياسات من أن يضاعف الاقتصاد الصيني ثلاثة أمثاله في الفترة من 2008 - 2018. ليبلغ الناتج المحلي الإجمالي 13.6 تريليون دولار في 2018. وأصبح منذ 2016 أكبر من الاقتصاد الياباني بنحو 2.3 مرة، وفي عام 2018 غدت الصين قوة رائدة في مجال التجارة الإلكترونية والمدفوعات بالاستعانة بالأجهزة المتنقلة، وأصبحت في هذا الشأن أكبر من مثيلتها في الولايات المتحدة 160 مرة، وأصبحت شركات التجارة الإلكترونية والإنترنت الصينية العملاقة هي الأعلى ترتيبا في الصين.
إلى هذا الوضع الذي بلغته الصين شنت إدارة ترامب حربها التجارية، بمحاولة تضييق فرص نفاذ السلع الصينية إلى السوق الأمريكي، بفرض ضرائب وتعريفات جمركية عالية على واردات الولايات المتحدة من السلع المصنوعة في الصين، وشملت هذه التعريفات والضرائب نحو 200 مليار دولار واردات أمريكية من الصين، ارتفعت جماركها من 10% إلى 25%، وردّت الصين بالإعلان عن رفع التعريفات الجمركية على 60 مليار دولار واردات صينية من الولايات المتحدة، وقد سعى ترامب بذلك إلى أن تقوم الشركات الأمريكية بتوسيع استثماراتها وإنتاجها داخل الولايات المتحدة، ومعالجة العجز التجاري الذي يميل لصالح الصين، وبينما يتسبب قرار ترامب في أضرار لنحو 900 شركة أمريكية تعمل في الصين، وهي أعضاء الغرفة التجارية الأمريكية في الصين، أبرزها شركة بوينج للطائرات وفايزر للأدوية وكوكاكولا، لتشكل مع الإدارة الاقتصادية الصينية قوة ضغط على الرئيس الأمريكي حتى يعدل عن هذه الحرب، إلا أن الصين وهذه الشركات أيضًا لم تقف مكتوفة الأيدي، فهي تطرق بقوة مسالك بديلة.
وفي الآونة الأخيرة أحرز قادة رابطة الآسيان في اجتماعهم الأخير في بانكوك تقدمًا كبيرًا بشأن مشروع اتفاق التجارة الحرة بين الآسيان والصين، وهو مشروع اقترحته بكين، ويشمل 16 دولة من آسيا والمحيط الهادئ، مع توقع إنجاز هذا الاتفاق في العام الحالي 2019. وهو اتفاق يتم بعيدًا عن الولايات المتحدة، ويتحرر هذا الاتفاق من اتجاه الحمائية الجديدة الذي تزعّمه ترامب بحربه التجارية، وضرب به اتجاه العولمة الذي كانت الولايات المتحدة نفسها زعيمته، ويذكر أن هذا المشروع لم يكن رد فعل مباشرا للاتجاه الأمريكي، فهو قائم كمشروع من 2012. ولكن تفعيله وإنفاذه من التعثر هو الذي كان رد فعل للإجراء الأمريكي.
وفي حال إنفاذ هذا المشروع فإنه لن يعزز فقط مكانة الصين الاقتصادية والتجارية في آسيا، ولكنه يعزز أيضًا من نفوذها السياسي، وهذا المشروع يضم إلى جانب دول الآسيان العشر الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاندا، أي أنه سيشمل نحو ما يقرب من نصف سكان العالم، ما يجعله أكبر اتفاق تجاري في العالم. 
وقد كان الرئيس الأمريكي ترامب قد انسحب في 2017 من مشروع اتفاق التبادل التجاري الحر عبر المحيط الهادئ، فاستغلت بكين الفرصة لكي تتزعم هي هذا المشروع، وبموجبه تزول الحواجز الجمركية التعريفية بين هذه البلدان المذكورة، وإن كانت هناك مخاوف بشأن التحفظات التي تقدمها بعض الدول بشأن حقوق العمال والبيئة والمنافسة بين الصين والهند إلا أن قوة المصالح الاقتصادية المشتركة ستكون الحافز الأكبر لإتمام هذا الاتفاق وإنفاذه.
وإلى جانب هذا المسار يأتي مسار العلاقات الصينية الروسية، حيث بلغ حجم التجارة الصينية الروسية في عام 2018 نحو 100 مليار دولار بزيادة نحو 27.1% عن عام 2017 وهو أعلى معدل بين أكبر 10 شركاء تجاريين في الصين، وبدأ خط النفط الروسي الصيني الثاني في التشغيل التجاري في نفس العام، كما أخذ التعاون بين البلدين يزيد في قطاعات الطاقة ومنها الطاقة النووية والفضاء الجوي، وشهد عام 2018 إبحار أول ناقلة غاز طبيعي مسال من روسيا إلى الصين، كما يدخل الجانبان في مشروع إنتاج طائرة ركاب عريضة بعيدة المدى، وبرزت مجالات التعاون أيضًا في الاقتصاد الرقمي والشركات الصغيرة والمتوسطة والتكنولوجيا المتقدمة وتنمية الشرق الأقصى واستكشاف القطب الشمالي، وفي المقابل فإن روسيا المنافس التقليدي للولايات المتحدة تتبنى سنويًّا منتدى اقتصاديًّا منافسًا لمنتدى دافوس العالمي، وهو منتدى سان بطرسبرج الذي أعلنت الصين عزمها حضوره هذا العام للمرة الأولى.
مسار آخر هو إفريقيا، حيث أخذت الصين منذ عام 2000 تتمدد في إفريقيا عبر منتدى التعاون الصيني الإفريقي الذي تأسس بمبادرة منها في هذا العام، ومنذ هذا الوقت أخذت العلاقات بين بكين والدول الإفريقية في التوسع، حيث نظرت الصين إلى إفريقيا باعتبارها موردا لاحتياجاتها من المعادن والطاقة والمواد الأولية، وسوقًا حاليا ومستقبليًّا لمنتجاتها، وفي عام 2006 في قمة بكين لهذا المنتدى أعلنت الصين 8 مبادرات لإفريقيا، شملت زيادة المعونات، وإنشاء صندوق يشجع الشركات الصينية على الاستثمار في إفريقيا، وإلغاء الديون عن بعض الدول الإفريقية، وإقامة منطقة للتعاون الاقتصادي والتجاري، وتعزيز التعاون في مجالات تدريب الموارد البشرية والزراعة والصحة والتعليم، وقد تم تنفيذ جميع هذه المبادرات، وفي قمة جوهانسبرج لهذا المنتدى في 2015 أعلن الرئيس الصيني أكبر حزمة دعم مالي لإفريقيا بلغت نحو 60 مليار دولار لمشروعات التنمية وإلغاء بعض الديون ودعم الزراعة في خطة مدة 3 سنوات، وهذا الإطار التعاوني مكّن من زيادة حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا من نحو 10 مليارات دولار في عام 2000 إلى نحو 170 مليار دولار في 2017. منها صادرات صينية لإفريقيا قيمتها نحو 95 مليار دولار، وغدت إفريقيا على خريطة مشروع الحزام والطريق الصيني، هذا فضلاً عن مشروعات بنية تحتية تقدمها الصين في دول إفريقية 
ويأتي المسار العربي بديلا أيضًا، فكما هو ملاحظ في الحياة اليومية للدول العربية فإن المنتجات الصينية أصبحت الأكثر تداولاً في الأسواق، وغدت الصين ثاني أكبر شريك تجاري للعالم العربي، وتجاوز حجم التبادل التجاري الصيني العربي 200 مليار دولار في 2017. وارتفع مستوى التعاون في مجالات الطاقة والفضاء ومشروعات البنى التحتية، ومن المعلوم أن منتدى التعاون الصيني العربي تأسس عام 2004 كإطار للتعاون الجماعي والمتعدد الأطراف والمجالات بين الجانبين، وأقامت الصين علاقات شراكة استراتيجية شاملة وعلاقات تعاون استراتيجي مع عدد من الدول العربية وآلية حوار استراتيجي مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وغدت الدول العربية أكبر مورد للنفط الخام للصين وسابع أكبر شريك تجاري.
وفي الختام فإن الصين من خلال هذه المسارات والمسالك البديلة وغيرها تستطيع التعويض عن الخسائر التي أراد ترامب أن يلحقها باقتصادها، كما أن وضوح هذه المسالك البديلة، فضلاً عن شكوى المستثمر والمستهلك الأمريكيين، من الآثار السلبية لتلك الحرب التجارية، ستكون هي قوة الضغط الكبرى على الإدارة الأمريكية للتخلي عن هذه الحرب، التي إلى الآن لم يتضح مدى استفادة الاقتصاد الأمريكي منها.

{ انتهى  }
bottom of page