top of page
11/ 3

العدد 35 خريف 2003

افتتاحية العدد: اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة والقضايا العربية المصيرية

في مشهد دراماتيكي  امتزجت فيه مشاعر الحزن  بعلامات الدهشة وعلى خلاف كل التوقعات من كافة المحللين على خلفية التصريحات النارية من القيادات العراقية، سقطت العاصمة العراقية بغداد في يد القوات الأمريكية، وتبخر النظام العراقي تاركًا شعبه ومقدراته وجها لوجه أمام الآلة العسكرية الأمريكية الجبارة.

وخرج الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش على الشعب العراقي عبر الشبكة التلفزيونية التي أقامتها قوات التحالف في بغداد ـ خرج بوش ليهنئ الشعب العراقي ويزف إليه بشرى سقوط نظام صدام حسين ويستمر في خطته الطويلة من الخداع والتضليل ويعدهم بالرخاء والرفاهية وأن تكون ثروات بلادهم لهم وبترولهم لهم، ما يعيد إلى الأذهان صورة نابليون بونابرت حينما جاء بحملته لغزو مصر وارتدى العمامة ونزل إلى الشعب المصري يتودد إليه ويعلن أنه ما جاء إلا ليخلصه من طغيان الأتراك، إلا أن بوش قد نسى عمامة نابليون.

 

وكما كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين وقت وجوده في السلطة غامضًا في كل قراراته ومواقفه التي جلبت الخراب والدمار على شعبه وأمته كان اختفاؤه أكثر غموضًا.

واجتهد المحللون في تفسير سر اختفاء صدام فمنهم من ذهب إلى أنه قد قتل في الغارة الأمريكية الأخيرة على المجمع الرئاسي ببغداد ومنهم من قال بأنه خرج من بغداد إلى مسقط رأسه تكريت ليستطيع تجميع قواته ومواصلة الحرب.

وهناك من قال بوجود صفقة تمت بين القوات الأمريكية والنظام الحاكم عبر وسطاء تم بموجبها تسليم بغداد للأمريكان وخروج صدام وحاشيته من العراق، ورغم أن هذا التصور الأخير قد يضعفه التركيبة الشخصية للرئيس العراقي إلا أن ثمة مؤشرات قد تقويه ومنها: الاختفاء المفاجئ لصدام ونجليه وجميع قواده في وقت واحد وكذلك ضرب القوات الأمريكية لمقر قناة الجزيرة وقناة أبو ظبي واللتان كانتا تغطيان الحرب بعيدًا عن السيطرة الأمريكية وكذلك ضرب فندق فلسطين ومحاصرته ليلة هروب صدام والذي يفسره البعض أنه تم للتغطية على الهروب الكبير.

وكما كان السقوط دارماتيكيًا كان المشهد بعد السقوط أكثر إثارة فقد عمدت القوات الأمريكية إلى فتح أبواب السجون خاصة بعد أن غابت قوات الأمن العراقية ليخرج من بها ويعبرون عما بداخلهم بإيعاز من القوات الأمريكية فيرقصون ويهللون ويسقطون تماثيل صدام ويسلبون وينهبون كل ما تطاله أيديهم من الممتلكات العامة والخاصة.

وفي تفسير مناف لجميع الأعراف السياسية والعسكرية يعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في مؤتمر صحفي بالبنتاجون أن هذه التصرفات تصرفات عادية ومتوقعة من شعب عانى الظلم والاستبداد على أيدي حكامه محاولا الإيحاء بأنها تصرفات تتسق وطبيعة الشعوب العربية غير المتحضرة.

وهنا تثور جملة من علامات الاستفهام: لعل أولها: أن ما حدث في بغداد من أعمال سلب ونهب لم يحدث مثلاً في ألمانيا النازية عقب سقوطها في أيدي قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية.

وثانيها: أن هذه الأعمال قد طالت كل المباني الحكومية في بغداد إلا وزارة البترول التي حرصت قوات  الحلفاء على حمايتها.

وثالثها: أن ما حدث يعد مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي يلزم قوة الاحتلال بحفظ الأمن والاستقرار في البلد المحتل.

ورابعها وهو الأهم هو أن جورج بوش قد أرسل قواته إلى العراق ـ كما كان يقول  ـ لتحرير الشعب العراقي ويترك في ذات الوقت ثرواته ومقدراته في وزارة التخطيط العراقية والبنك المركزي والمتحف العراقي بكل ما يحويه من تراث لا يقدر بثمن كيف يترك كل ذلك عرضة للنهب والسلب , ولعل الأمر الأخطر من ذلك كله هو أن رامسفيلد يحاول بتفسيراته أن يفتح بابا جديدا لغزو (تحرير) جديد.

وبدأ مؤشر الآلة العسكرية الأمريكية بالفعل يشير إلى سوريا فلم تتوقف الاتهامات الأمريكية إلى سوريا قبل الحرب وأثناءها فمن اتهام بأن سوريا قد أمدت العراق بأسلحة وأجهزة عسكرية حساسة إلى اتهام ثانٍ بأنها كانت تقوم بشراء السلاح للعراق نيابة عنه في وقت الحظر إلى ثالثٍ بأن صدام حسين قد أخفى أسلحة الدمار الشامل في سوريا إلى رابع بأن القيادات العراقية الهاربة قد تفر إليها, إلي خامس بأنها تأوي وترعي منظمات إرهابية وقائمة الاتهامات طويلة ولن تنتهي ما دامت إسرائيل تزكي نارها.

فليس بخاف المكاسب الإسرائيلية الكبيرة من وراء غزو العراق فقد أكد الكثير من المراقبين أن إسرائيل قد ساهمت في هذه الحرب , فهناك العديد من الأسلحة الإسرائيلية قد استخدمت فيها إضافة إلى أن الولايات المتحدة قد استفادت من الخبرات الإسرائيلية في حرب الشوارع والمدن في فلسطين.

وتنتظر إسرائيل العديد من المكاسب فإضافة إلى الحكومة العسكرية المحتلة القادمة في العراق بقيادة الجنرال المتقاعد "جارنر"  المعروف بموالاته لإسرائيل والتي ستقيم بلا شك علاقات استراتيجية مع إسرائيل، هذه العلاقات التي ستمثل خرقًا كبيرًا يصعب رتقه في النظام العربي فإن إسرائيل تنتظر أيضًا مد خط أنابيب البترول القديم من كركوك إلى حيفا والذي كان قد توقف في عام 1948 إضافة إلى العديد من المكاسب الأخرى على طريق النظام الشرق أوسطي.

أما تهديد سوريا وربما ضربها وغزوها فإنه يؤدي إلى إعادة رسم خريطة المنطقة بالكامل .

والأمر الأخطر بالنسبة لسوريا هو أن الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية قد غيرت سياستها والتي كانت تقوم على الاحتواء والردع والتي اتبعتها منذ بداية الستينيات من القرن الماضي وقد اكتفت خلالها بتوفير عنصر الردع أي الاكتفاء بتوفير القدرات العسكرية والنووية الكفيلة بإبادة الخصم في حالة مبادرته بمهاجمتها إلى سياسة الضربات الوقائية التي تعني  مهاجمة أعدائها المحتملين لإجهاض مخططاتهم وإفشال مساعيهم للنيل منها وتكمن خطورة هذا المفهوم في احتفاظ الولايات المتحدة لنفسها بالحق المنفرد في تحديد هؤلاء الأعداء المحتملين ، ما يبرز إمكانية استخدام الولايات المتحدة لهذا المبدأ في هجماتها على الدول ذات التوجهات المغايرة لها وكذلك في ظل عدم اكتراثها بالشرعية الدولية واعتمادها على شريعة القوة وإعلائها لمفهوم السيادة المشروطة الذي يوجب عدم احترام السيادة الوطنية للدول التي تعجز عن مكافحة الإرهاب أو تهادنه.

في ظل كل هذه المؤشرات يبدو الخطر المحدق بسوريا جليا فهل يبادر النظام العربي أو ما تبقى منه باحتواء هذا الخطر؟

وتحاول الولايات المتحدة في ظل هيمنتها على العالم أن تنفرد بكل شئ، حتى الحقائق والمعلومات لا تريد أن يعرف العالم إلا ما تريده أن يعرفه وهو ما بدا جليًا في إدارتها لحملتها في العراق والتي شهدت تعتيمًا إعلاميًا وتضليلاً لم يشهده العالم منذ اختفاء "جو زيف جوبلز" وزير الدعاية الألماني النازي من 1933 حتى 1944 وتماشيًا مع سياستها الجديدة (الضربات الوقائية) اتبعت الولايات المتحدة في هذه الحرب كل أساليب ووسائل الحرب النفسية وهو ما تنبأ به بعض المحللين في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي حينما توقعوا أن تصبح الحرب النفسية جزءًا رئيسيًا من الحروب في الفترات القادمة.

يقول "بول لاينبرجر" وهو من أوائل الذين مارسوا الحرب النفسية الحديثة خلال الحرب العالمية الثانية لخدمة أهداف المؤسسة العسكرية الأمريكية في كل من آسيا وأوروبا ثم خلال الحرب الكورية "في  المعنى الضيق تشمل الحرب النفسية استخدام الدعاية ضد العدو مع ما يكملها من الأعمال العسكرية، ويمكن  أن نسميها محاولات الإقناع المنظم البعيدة عن العنف والحروب ويمكن اعتبارها إلى حد ما إقناعًا بالعنف" كما يعرف الدعاية العسكرية بأنها "الاستعمال المخطط لأية صورة من صور الاتصال التي تهدف إلى التأثير على عقول ومشاعر وأعمال مجموعة معينة من الأعداء أو المحايدين أو الأصدقاء لتحقيق غرض تكتيكي أو استراتيجي معين.

 

ومن التعريفات الأمريكية أيضًا أن الحرب النفسية "هي أحد الأعمال التي تمارسها الاستخبارات من خلال محاولة التلاعب بأفكار وقناعات العدو للتأثير على سياسته.

إذ يتم معالجة الأفكار وتحريفها وتغييرها ثم نقلها إلى الآخرين من خلال عمليات منظمة لإغوائهم وتغيير قناعاتهم وأفكارهم بدون استخدام العنف.

ولا يمكن أن تشن الحرب النفسية منفردة بل لابد لها من أن تكون جزءًا مكملاً إما لحرب شاملة أو حرب محدودة (صراع عسكري عنيف) وكجزء من حرب سياسية (وهي الحرب التي تواجه فيها الدولة خصومها بالوسائل الدبلوماسية، والوسائل الاقتصادية والإعلامية والدعاية دون أن تتورط في اللجوء إلى استخدام القوة.

وتهدف الحرب النفسية إلى استحداث تصورات معينة لدى العدو أو نفي تصورات معينة عن طريق الدعاية أو عمليات عسكرية استعراضية والتنسيق بين العمل العسكري والعمل الدبلوماسي لزرع تصورات معينة وإحداث الفوضى والبلبلة في معسكر العدو للتأثير على روح الجنود المعنوية وعلى انضباطهم وعلى قرارات ضباطهم وقادتهم بالإضافة إلى عمليات غسل الدماغ" وغسل الدماغ عمل منظم يخضع له عادة أسرى الحرب أو متتبعو برامج إذاعة العدو وإرساله التلفزيوني.

كل هذه الوسائل اتبعتها الولايات المتحدة في العراق حتى أطلق بعضهم على هذه الحرب "حرب تدمير العقول" وخاصة استعراض القوة ما دعا بأحد المحللين أن يقول إن الولايات المتحدة كادت أن تقيم زفة إعلامية لكل فرد من قواتها وهو في طريقه إلى العراق لبث الرعب ليس في نفوس العراقيين فقط بل يتعدى ذلك إلى حلفائها أنفسهم ما يشير إلى أن هذه الحرب تتعدى مخاطرها الحدود العراقية إلى دول أخرى في المنطقة.

 

العدد 34 صيف 2003

 

افتتاحية العدد: الملتقى العربي بداية جادة لتفعيل العمل العربي المشترك

تلبية لدعوة من الأمين العام للجامعة العربية "عمرو موسى"، شاركت على مدى يومين (15 ـ 16 يونيو 2003) إلى جانب نخبة من المفكرين والمثقفين العرب في أعمال المؤتمر الفكري غير الرسمي الذي نظمته الجامعة؛ للبحث في سبل تفعيل وتطوير العمل العربي المشترك وآليات إصلاح الجامعة لتكون أكثر قدرة على قيادة النظام الإقليمي العربي والخروج به من حالة الضعف والعجز إلى دائرة الفعل والتأثير ومواجهة التحديات والمخاطر التي تحيط بالمنطقة بعد احتلال العراق، والتي باتت تهدد ليس فقط مصالحها وأهدافها بل مصيرها ووجودها ذاته.

وقد اكتسبت مبادرة الأمين العام هذه أهمية خاصة في ضوء عاملين: الأول: يتمثل في الدور المهم الذي يمكن أن يضطلع به رجالات الأمة والمثقفون والمفكرون ومراكز البحوث والدراسات في عملية تطوير الجامعة وتفعيل دورها القومي للوصول بها إلى مستوى التنظيمات الإقليمية والدولية الأخرى التي استطاعت أن تحشد طاقات شعوبها ودولها وراء آمال عريضة في التقدم في عدة مجالات، وذلك من خلال التشخيص العلمي للوضع العربي العام والوقوف على أسباب القصور والفشل في العمل العربي المشترك، ومن ثَمَّ تقديم المقترحات والرؤى العملية التي تمثل بداية جادة لعملية الإصلاح والتطوير المنشودة، وانطلاقًا من ذلك ضم المؤتمر عددًا من المفكرين والمثقفين المؤمنين بالعمل العربي المشترك ووجوب تفعيله.

أما العامل الثاني: فيتمثل في توقيت هذه المبادرة، فقد جاءت في الوقت الذي تمر فيه المنطقة العربية بواحدة من أشد وأحرج فترات تاريخها المعاصر تكاد تصل بها إلى خيار صعب بين الوجود واللاوجود، وبالتالي فقد أصبح تفعيل العمل العربي المشترك وإصلاح الجامعة العربية وتفعيل دورها القومي حتمية لمواجهة التحديات التي تهدد وجود ومستقبل هذه الأمة، وتزداد أهمية هذا الأمر في ضوء الاعتبارات الآتية:

1 ـ حالة الضعف والعجز غير المسبوقة التي تعانيها الأمة العربية والتي جعلت البعض يستسهل التطاول عليها وإلحاق الضرر بها وبمصالحها، ولعل من أبرز المظاهر والمؤشرات الدالة على ذلك الفشل العربي في التصدي لعمليات القمع والإرهاب والتنكيل التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، حيث اقتصر رد الفعل العربي على إصدار بيانات الشجب وجمع التبرعات لإعادة إعمار ما تدمره آلة الحرب الإسرائيلية المستمرة أو طرح مبادرات تضرب بها إسرائيل عرض الحائط، وعدم قدرة الدول العربية على معاقبة نظام شمولي أدت سياساته إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة ثم الدخول في حرب أدت إلى احتلاله رغم عدم شرعيتها، وما لذلك من تداعيات على الأمن القومي العربي، ويتضح من التهديد الأمريكي لدول المنطقة أن "غزو العراق" ما هو إلا بداية لإعادة رسم خريطتها السياسية، وتزايد الهجمة الأمريكية ضد العرب والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر والتي نجحت وسائل الإعلام الصهيونية في استغلالها في الربط بين الإرهاب وكل ما هو

عربي وإسلامي، إضافة إلى تزايد التهديدات الأمريكية والإسرائيلية لسوريا وجماعات المقاومة الفلسطينية واتهامها بالإرهاب.

2 ـ ظهور دعوات لإلغاء الجامعة العربية بدعوى أنها عجزت عن تحقيق معظم ما أنيط بها من أهداف والتي تزامنت مع محاولات خارجية تهدف إلى دمج إسرائيل وإقامة نظام شرق أوسطي يكون بديلاً عن النظام العربي. 

3 ـ ضعف الثقة في الجامعة العربية ومؤسساتها رسميًا وشعبيًا نتيجة سلسلة الإحباطات التي عاناها النظام الإقليمي العربي طيلة العقود الماضية:

فعلى المستوى الرسمي: أعلنت بعض الدول العربية ـ ليبيا تحديدًا ـ رغبتها في الانسحاب من الجامعة بدعوى فشل الجامعة في مواجهة التهديدات التي تحيط بالأمة العربية، كما أعلنت دول أخرى عن عدم رضاها عن أداء الجامعة وطالبت بإصلاحها، وتقدم بعضها بمبادرات ومقترحات في هذا الصدد مثل السعودية ومصر وقطر وليبيا.

وعلى المستوى الشعبي: كشف استطلاع للرأي أجرته مجلة "المجلة" في 21/12/2002 شمل 12 دولة عربية  ـ أي قبل الحرب على العراق ـ عن أزمة الثقة هذه؛ إذ أكد 54% من السعوديين و50% من اليمنيين و66% من الفلسطينيين، و57% من التونسيين، و46% من الأردنيين، و44% من اللبنانيين، و43% من المغربيين أن الجامعة العربية أصبحت بلا جدوى، وإن جاءت هذه النسبة أقل في باقي الدول التي شملها الاستطلاع، حيث وصلت إلى 30% في الإمارات، و29% في العراق، و28% في سوريا، و18% في مصر، و15% في الكويت، ومن المتصور أن تكون هذه النسبة قد ازدادت إن لم تكن تضاعفت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. 

وعمومًا فإن مبادرة "عمرو موسى" هذه تؤكد من جديد أنه الأقدر والأجدر على قيادة العمل العربي المشترك في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها المنطقة العربية، فهو شخصية منفتحة على كل الآراء، وتتوافر فيها صفات القيادة والزعامة، وتملك رصيدًا من الاحترام والتأييد على الساحة العربية الفكرية والشعبية لمواقفه القومية المشهود له بها وحرصه على تفعيل العمل العربي المشترك.

وقد تميز هذا الاجتماع الذي وصفه "عمرو موسى" بأنه "عصف فكري" بتعدد الرؤى والمقترحات التي طرحت سواء في تشخيص الوضع العربي الراهن وأسبابه أو في كيفية تفعيل وتطوير العمل العربي المشترك، ومثلت في مجملها قاعدة جيدة من الأفكار التي يمكن أن تمثل بداية جادة لعملية الإصلاح والتطوير المنشودة، رغم وجود بعض التباينات البسيطة في رؤى وتوجهات المشاركين في المؤتمر.

فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي أكد فيه معظم الحاضرين أن الواقع الجديد الذي خلفته الحرب باحتلال العراق أوضح الانكشاف غير المسبوق في الصيغ الحالية للتعاون العربي وطرح التساؤلات حول جدوى بقاء الجامعة من عدمه بشكل بات يفرض ضرورة الإسراع بعملية الإصلاح والتطوير، رأت قلة أن هذا الواقع ليس سلبيًا وأن إسقاط نظام "صدام حسين" يمكن أن يشكل بداية للتغيير الإيجابي في المنطقة.

وانطلاقًا من قاعدة "رب ضارة نافعة"، أكد "عمرو موسى" في افتتاحه للاجتماع أن التطورات الراهنة التي تشهدها المنطقة بما تضمنته من تهديدات للعمل العربي المشترك وتوجيه الانتقادات للجامعة خلقت نوعًا من الحوار والتفاعل وتبادل الرأي الذي يمكن أن يسهم في عملية الإصلاح والتطوير المنشودة، مشيرًا إلى أن هناك رغبة جادة لدى الدول العربية للإصلاح والتغيير والتطوير، ورغم تعدد الرؤى والمقترحات في هذا الصدد فقد كان هناك إجماع بين المفكرين على ضرورة الإبقاء على الميثاق بصيغته الحالية خشية أن يؤدي إجراء أي تغيير أو تعديل إلى المساس بالأسس والثوابت التي أقرها لتعزيز العمل العربي المشترك، خاصة في ظل هذه الظروف التي تمر بها الأمة، وإذا ما كانت هناك ضرورة لإدخال أية تعديلات، أو إضافات مقترحة على الميثاق فبالإمكان أن تأتي في  شكل ملاحق دون المساس بالميثاق.

ورغم أن معظم المشاركين في الاجتماع حمَّلوا الدول العربية مسؤولية إخفاق العمل العربي المشترك على أساس أن الجامعة العربية بإطارها الحالي ليست سوى تعبير عن إرادة الدول الأعضاء، فإن ذلك لا ينفي حقيقة أن الجامعة تتحمل بعض المسؤولية في هذا الصدد؛ حيث تعاني الجامعة عدة مشاكل تعوق أداءها لوظائفها أهمها: تفشي البيروقراطية واللامبالاة والتضخم الوظيفي والذي واكبه غياب واضح في الكفاءات بسبب نظام التوظيف في الجامعة، وتزايد الفساد الإداري داخلها، وانتشار الواسطة والمحسوبية في شغل الوظائف، وعدم وجود رؤية أو استراتيجية محددة لتفعيل التكامل العربي.

ولا يعني ذلك أن الجامعة العربية تتحمل بمفردها مسؤولية الفشل والقصور، فجوانب القصور والفشل في أداء الجامعة والنظام الإقليمي العربي ككل تعود في حقيقتها إلى مجموعة من العوامل السياسية والهيكلية المرتبطة ببنية هذا النظام، ومن أهمها:

•    الخلل البنيوي في العمل العربي المشترك، فهذا العمل بدأ منذ ما يقرب من ستين عامًا حيث إنه من المفترض أن ينتهي دون أن يمر بالخطوات التدريجية التي اتبعتها المنظمات الإقليمية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي الذي بدأ باتفاق للفحم والصلب حتى وصل إلى شكله الحالي استنادًا إلى قاعدة قوية من المصالح  المترابطة التي تجمع أعضاءه.

•    أما التجربة العربية فقد بدأت برؤية ثورية بإنشاء الجامعة العربية واتفاقية دفاع مشترك وسوق عربية مشتركة بقرارات سياسية فوقية دون الاستناد إلى روابط مصلحية اقتصادية قوية وبالتالي ظلت هذه المؤسسات والاتفاقيات في معظمها حبرًا على ورق.

•    آلية إصدار القرارات في الجامعة العربية وهي الإجماع، وهي قاعدة يصعب تطبيقها في كثير من الحالات بسبب التباين الملحوظ في المواقف القُطرية العربية إضافة إلى عدم وجود آلية لتنفيذ القرارات التي تُتخذ.

•    تنامي النزعة القطرية على حساب المصلحة العربية المشتركة، وانعكس هذا بشكل لافت في غياب أية استراتيجية عربية موحدة سواء في المجال السياسي أو الأمني أو الاقتصادي.

•    غياب الإرادة العربية الواعية بضرورة تقوية وتعزيز مؤسسات العمل العربي المشترك، فالمشكلة تكمن في اختلاف الإرادة العربية الجماعية التي تعتبر غير موجودة ولا تهتم بالقضايا الأساسية، ومهما بُذل من جهد فيما يتعلق بموضوع الميثاق والأمن الجماعي والمواثيق الأخرى، فلن يؤدي إلى شيء ما لم تتوافر الإرادة الحقيقية، ويكفي أن نشير إلى أن 80% من قرارات الجامعة موافق عليها بالإجماع وليس بالأغلبية، بيد أن ما طبق منها لم يتجاوز نسبة الـ 20% في أحسن الأحوال.

•    رفض الدول العربية إكساب كيان الجامعة سلطة أو آلية إلزامية لحل القضايا العالقة تفوق سلطاتها السيادية رغم الإقرار من حيث المبدأ بآلية محكمة العدل العربية وآلية الوقاية من المنازعات وإدارتها وتسويتها بين الدول العربية وميثاق الشرف للأمن والتعاون العربي ـ محتجة تارة بسيادتها، وتارة أخرى بخصوصياتها وظروفها الداخلية، دون النظر في تجارب شبيهة نجحت في تأطير كياناتها الوحدوية وإعطائها ـ تدريجيًا ـ ما يلزم من صلاحيات وسلطات تمثل مرجعية لكافة الدول المنتظمة تحت لوائها، وقد انعكس ذلك على منصب الأمين العام في الجامعة الذي ظل شرفيًا وبروتوكوليًا، يخلو من أي تأثير أو نفوذ حقيقي ملزم للدول العربية وقضاياها. 

•    عدم الاهتمام بإيجاد آلية مؤسسية تربط بين الجامعة والشعوب العربية على غرار البرلمان الأوروبي، بالرغم من أن العمل العربي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصالح هذه الشعوب ومصائرها والتي تعلق عليه وعلى الجامعة العربية آمالاً كبيرة.

•    عدم وفاء الدول العربية بالتزاماتها المالية تجاه الجامعة، في الوقت الذي تلتزم فيه هذه الدول بالتزاماتها كاملة تجاه المنظمات الدولية الأخرى مثل الأمم المتحدة، وتزداد خطورة هذا العامل بالنظر للأزمة المالية الحادة التي تعاني منها الجامعة نتيجة ضعف ميزانيتها (27.1 مليون دولار سنويًا ثم زيادتها إلى 33 مليونًا اعتبارًا من عام 2002)، وتراكم متأخرات الدول الأعضاء في سداد حصصها في هذه الميزانية، حيث بلغ حجم هذه المتأخرات 100 مليون دولار في السنوات العشر الأخيرة. 

•    النزاعات العربية ـ العربية والتي كان لها تأثيرها السلبي على أداء الجامعة العربية والعمل العربي المشترك بصرف النظر عن عوامل تعدد هذه النزاعات ومحاور أطرافها ودرجة حدتها، ويضاعف من خطورة هذا التأثير عاملان:

•    الأول: افتقاد الجامعة العربية آلية للتسوية السلمية للنزاعات العربية في إطار عربي.

•    والثاني: إتاحة فرص التدخل الخارجي، في العلاقات العربية البينية. 

إن كل هذه العوامل والتي تطرق إلى معظمها الأمين العام في افتتاحه للملتقى أسهمت في ضعف وعدم فاعلية الجامعة العربية ودورها في تفعيل العمل العربي المشترك، ولا ينفي ذلك حقيقة أن الجامعة لعبت طيلة أكثر من نصف قرن دورًا محوريًا في خدمة القضايا العربية وعلى رأسها الدفاع عن القضية الفلسطينية وتدويلها وإبقائها حية رغم المحاولات الإسرائيلية المستمرة لطمسها، وتسوية العديد من الخلافات العربية، كما أن الجامعة لا تتحمل مسؤولية الفشل في إدارة الأزمة العراقية، إذ إنها نجحت في إحداث اختراقات مهمة في هذا الملف منذ قمة بيروت العربية في مارس 2002.

وقد تعددت الرؤى والمقترحات التي طرحت في هذا الاجتماع لإصلاح الجامعة وتفعيل مسيرة العمل العربي المشترك، وفي تصوري أن أي تحرك جاد في هذا الصدد ينبغي أن يرتكز على عدة محاور هي:

أ ـ تطوير البنية القانونية والمؤسسية للنظام العربي ممثلاً في الجامعة العربية، لتكون قادرة على التكيف مع الظروف الراهنة ومواجهة التحديات المستقبلية، وهو ما يتطلب:

ـ  إلغاء قاعدة الإجماع في التصويت واستبدالها بقاعدة أغلبية الثلثين في القرارات المهمة مع تطبيق قاعدة الأغلبية النسبية أو المطلقة (50% +1) في القرارات العادية.

ـ وضع آلية قانونية ملزمة للتنفيذ والمتابعة تشرف على تنفيذ قرارات الجامعة.

ـ إنشاء مجلس شورى عربي لتأكيد الطابع الأهلي للجامعة العربية وجعلها جامعة للشعوب والحكومات معًا، وبشكل أكثر تطورًا وفاعلية من تجارب عربية مشابهة وهي "الهيئة الاستشارية" التابعة لمجلس التعاون الخليجي، ومجلس التعاون المغربي والتي لم تحقق حتى الآن النجاح المطلوب، ومنح الأمانة العامة للجامعة سلطة اختيار أعضائه ـ والذي يمكن أن يكون كبداية خمسة أعضاء من كل دولة بالتساوي ـ بالتشاور مع حكوماتهم.

ـ تفعيل نظام التسوية السلمية للمنازعات بين الدول العربية، وذلك من خلال:

* الإسراع بإقرار مشروع محكمة العدل العربية التي نصت المادة التاسعة عشر في ميثاق الجامعة على إنشائها منذ ما يقرب من ستين عامًا، ونتصور أن إنشاء مثل هذه المحكمة يمكن أن يسهم في تعزيز العمل العربي المشترك من أكثر من زاوية؛ حيث يمكن أن تعمل كجهاز وقائي يمنع حدوث المنازعات قبل وقوعها وتسويتها بالطرق السلمية والفصل في الخلافات العربية ـ العربية كمنازعات الحدود والخلافات حول تفسير الاتفاقيات الدولية والإقليمية، مع التأكيد على ضرورة منح المحكمة الصلاحيات الكاملة للتدخل من تلقاء نفسها لتسوية أية نزاعات محتملة أو قائمة في حالة فشل الوساطات في حلها وإعطاء أحكامها وقراراتها سلطة إلزامية.

* منح الجامعة حق التحرك بسرعة في حالة نشوب أي نزاع أسوة بما عليه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ لأن التحرك المبكر لتسوية نزاع معين بين دولتين عربيتين قد يحول دون تطوره أو تصعيده، ومنح الأمين العام للجامعة سلطة التقدم بمبادرات فردية لحصر وتسوية المشاكل والمنازعات دون انتظار تكليف مجلس الجامعة، وثمة ضرورة لأن ينص أي ملحق في الميثاق في حالة تعديله على وسائل أخرى لتسوية المنازعات وعدم قصرها على الوساطة والتحكيم مثل إنشاء لجان لتقصي الحقائق، القيام بالمساعي الحميدة، تشكيل قوة سلام عربية أو حتى تشكيل قوة للتدخل السريع.

ب ـ تطوير جهاز الأمانة العامة للجامعة العربية ـ كجهاز إداري ـ باعتباره أحد المداخل الضرورية لتطوير جامعة الدول العربية، ومن بين الأفكار في هذا الخصوص ما يلي:

ـ إتاحة فرصة شغل منصب الأمين العام للجامعة أمام جميع الدول العربية وعدم التقيد بأن يكون الأمين العام دائمًا من دولة المقر، ويكون تعيينه لفترة واحدة فقط مدتها 6 سنوات.

ـ وضع شروط ومعايير محددة للوظائف الرئيسية في الأمانة العامة للجامعة العربية (الأمناء المساعدين والمستشارين) يراعى فيها الإيمان برسالة الجامعة وأن يكون لشاغليها نشاطات واضحة في خدمة القضايا العربية ومعروفة على مستوى الوطن العربي، والكفاءة والمقدرة وتوافر بعض الصفات الشخصية المميزة التي تمكن من المشاركة في قيادة العمل المشترك ونقترح في هذا الصدد أن يكون تعيينهم أيضًا لفترة واحدة فقط مدتها 6 سنوات.

ـ تشكيل لجنة عربية تتمتع بالاستقلالية عن الجامعة تتولى مهمة اختيار الموظفين الجدد استنادًا إلى شروط ومعايير محددة ترتكز أساسًا على الإيمان برسالة الجامعة واعتبارات الكفاءة العلمية وبعيدًا عن المجاملة والمحسوبية والحصص والاستثناءات، كما يجب وضع معايير لمن يعمل في البعثات الخارجية للجامعة.

ـ وضع آليات فعالة للرقابة على الجامعة، من خلال مؤتمر شعبي يعقد كل عام لتقييم عمل الجامعة من قبل المفكرين والكتَّاب العرب في المجالات المختلفة، بحيث يعرض تقريره على الأمين العام لعرضه على المجلس الوزاري المختص.

جـ ـ  انطلاقًا من حقيقة أن تعثر العمل العربي المشترك ترجع بدرجة كبيرة إلى غياب الإرادة السياسية الواعية بأهميته وفائدته، فإن ثمة حاجة إلى إيجاد الوضع السياسي العام الملائم لتفعيل وتطوير الجامعة العربية للقيام بدورها القومي، وذلك من خلال:

ـ  العمل على إزالة التعارض المفتعل في كثير من الأحيان بين المصالح القطرية والقومية بما يحقق الاثنين معًا، وليس أحدهما على حساب الآخر، بحيث تشعر جميع الدول العربية أن ثمة فائدة مهمة لها في تفعيل العمل العربي المشترك.

ـ ضرورة انتظام الدول العربية في تسديد التزاماتها المالية تجاه الجامعة حتى تتمكن من القيام بمهامها، وللتغلب على ذلك لابد من:

* إقناع الدول العربية بأن مساهمتها المالية تنفق في أوجه الصرف المخصصة لها، وبما يحقق الفائدة للعمل العربي المشترك.

* البحث عن مصادر تمويل إضافية لنشاطات الجامعة على الساحة الدولية، منها غرف التجارة العربية المشتركة والقطاع الخاص. 

* صدور قرار يلزم الدول العربية بتسديد التزاماتها المالية وفي حالة عدم الالتزام تفرض إجراءات  مثل الحرمان من حق التصويت.

ـ تنشيط العمل الأهلي غير الحكومي باعتباره عاملاً أساسيًا في تعزيز العمل العربي المشترك. 

ـ ضرورة وجود نوع من التواصل السنوي المستمر بين الجامعة ومن يرغب من مراكز البحوث والدراسات العربية لما لها من دور مهم يمكن أن تضطلع به في خدمة العمل العربي، ويقتضي هذا من الجامعة العربية:

* أن تضع خطة مفصلة لكيفية التعاون والاستفادة من هذه المراكز، بعقد مؤتمر سنوي للتنسيق بينها تحت رعاية الجامعة.

* أن تقوم الجامعة بتكليف بعض مراكز البحوث المتخصصة بوضع تصورات وسيناريوهات مستقبلية للأوضاع العربية والتحسب لآية أزمات أو مشكلات محتملة، وطرق مواجهتها.

ـ ضرورة قيام الدول العربية بإجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية،  وتعزيز أوضاع حقوق الإنسان داخلها، وإشراك شعوبها في صنع القرارات التي تحدد مصيرها، ليس لكونها مطلبًا أو رغبة خارجية أو لمواجهة انتقادات المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وإنما لكونها ضرورة محلية ملحة لتعزيز الثقة بين الحكومات والجماهير باعتبارها السبيل الوحيد لمجابهة التحديات الخطيرة التي تواجه المنطقة، فوجود علاقات قوية بين الحكومات والشعوب مبنية على أسس راسخة من شأنه أن يدعم ويقوي مواقف الدول العربية في مواجهة محاولات التدخل الخارجي التي تسعى إلى استغلال هذه القضية وتوظيفها لخدمة مصالحها وأهدافها، ويمكن للجامعة العربية أن تقدم الدعم الفني اللازم من خلال قيام أجهزتها المتخصصة بوضع نماذج للقوانين المنظمة للعملية السياسية وحماية حقوق الإنسان وغيرها من المسائل ذات الصلة بحيث تكون بمثابة نماذج تسترشد بها الحكومات والبرلمانات العربية عند قيامها باتخاذ إجراءات في هذه المجالات.

ـ وضع استراتيجية واضحة ومحددة المعالم وقابلة للتطبيق على المديين القصير والمتوسط من أجل تفعيل وتنشيط العمل العربي المشترك وتقليص حالة الإحباط العربي العام، بحيث تتضمن هذه الاستراتيجية ما يلي:

* الوقوف على نقاط التوافق وعدم التوافق بل والتناقض (المفتعل أو الحقيقي) في مصالح الدول العربية من خلال دراسة علمية حقيقية، والبدء بتعزيز علاقات التنسيق والتكامل حول القضايا التي حولها توافق عربي عام مع العمل على إزالة التعارض الذي يحدث في بعض الحالات.

* وضع تصورات لكل الاحتمالات الممكنة فيما يتعلق بقضايا المنطقة وعلاقاتها البينية والإقليمية والدولية وسيناريوهات التعامل معها وطرح البدائل المختلفة والمتاحة أمام العرب إزاء كل من هذه الاحتمالات؛ حتى لا يفاجأ العرب بها بما ينعكس سلبيًا على مسيرة العمل العربي المشترك.

د ـ التركيز على العامل الاقتصادي باعتبار أن وجود شبكة مترابطة من المصالح الاقتصادية بين الدول العربية هو الضمانة الأساسية لتعزيز وتفعيل مسيرة العمل العربي المشترك والبعد به عن الأهواء والتلقبات، وهو ما يتطلب:

* الإسراع في تنفيذ منطقة التجارة الحرة العربية من خلال إزالة جميع القيود الجمركية وغير الجمركية بحلول عام 2005، بهدف رفع نسبة التجارة البينية التي لا تزيد في أحسن أحوالها على 10% من مجموع التجارة العربية الإجمالية، تمهيدًا لإقامة الاتحاد الجمركي العربي ثم الاتحاد النقدي العربي في مراحل لاحقة.

* وينبغي في الإطار ذاته، تفعيل مناطق التجارة الحرة الثنائية التي وقعتها العديد من الدول العربية مع بعضها البعض، ومن أنجحها: مجلس التعاون الخليجي الذي أنشئ عام 1981.

* تهيئة البنية الأساسية الملائمة لدفع خطوات التكامل الاقتصادي العربي من خلال الإسراع في إنجاز العديد من المشروعات القومية العربية المشتركة مثل: مشروع الربط الكهربائي العربي، وإقامة مشروعات كبرى في مجال إنتاج النفط وتسويقه وتكريره، وربط الدول العربية بخطوط أنابيب لنقل النفط وشبكات لنقل الغاز الطبيعي؛ وربط شبكات النقل والمواصلات البرية والبحرية بين الأقطار العربية، فضلاً عن تفعيل دور المنظمات العربية المتخصصة، ومنها: المنظمة العربية للتنمية الإدارية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، والهيئة العربية للطاقة الذرية، والمنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين، وغيرها لما لها من أهمية في تنسيق السياسات الصناعية والزراعية والتجارية والإدارية بين الدول العربية.

  * تفعيل أنشطة الاتحادات العربية النوعية المتخصصة البالغ عددها 30 اتحادًا والتي تعمل في مجالات مختلفة مثل الحديد والصلب، الأسمدة، الأسمنت والبتروكيماويات، الأدوية.

*  أهمية استمرار وتفعيل الدور الذي يمثله العون الإنمائي العربي وخاصة ما يتعلق بتدعيم صناديق التمويل والتنمية العربية ورفع قدراتها التمويلية على دعم المشروعات العربية المشتركة في مختلف المجالات الزراعية والصناعية والسياحية والتكنولوجية بما يزيد من قدراتها على استغلال ثرواتها الطبيعية، مع دراسة إمكانية إنشاء بنك عربي مشترك يتم تمويله بنسبة من إجمالي الناتج المحلي للدول العربية للغرض ذاته.

* تشجيع الاندماجات بين البنوك والمؤسسات المالية العربية والربط العاجل بين أسواق المال العربية وصولاً إلى بورصة عربية موحدة، وإقامة كيان مالي ومصرفي عربي قادر على التعامل مع العالم الخارجي، والمساهمة في تمويل المشروعات الاستثمارية .

•    ضرورة وجود آلية عربية موحدة تعمل على تفعيل دور القطاع الخاص في مجال الاستثمار تحدد المجالات الاستثمارية ذات الأولوية وتقدم الحوافز المالية لها، ما يبرز أهمية مواصلة برامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والنقدي في البلاد العربية بما في ذلك الإسراع في عمليات الخصخصة. 

إضافة إلى ضرورة قيام رؤساء جمعيات رجال الأعمال في الدول العربية بتنظيم لقاءات عمل وتفعيل دور الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية والزراعية للبلدان العربية في تعزيز حركة التجارة العربية البينية وإقامة المشروعات المشتركة.

* أهمية تخصيص موارد مالية أكبر من أجل تنمية الموارد البشرية والارتقاء بمستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير نظم التدريب ورفع المهارات البشرية بما في ذلك وضع قانون عربي موحد لبراءات الاختراع وتشجيع المخترعين والمبتكرين العرب لإنتاج تكنولوجيا عربية، واتخاذ خطوات جادة في مجال تكنولوجيا المعلومات وصناعة البرمجيات، وتعزيز الاستفادة من التجارة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية.

* أهمية مواصلة جهود مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في مجال تطوير وتحديث الاتفاقيات العربية الموقعة في إطاره والمعمول بها في مجال تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين الدول العربية منذ أكثر من 25 عامًا لتتفق مع الظروف الدولية وأحكام اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.

* ضرورة وجود استراتيجية عربية موحدة من أجل مواجهة أزمة المياه  بما يساعد على تحقيق الأمن المائي والقومي العربي، ما يتطلب أهمية إنشاء مجلس وزاري يتكون من وزراء المياه والموارد المائية العرب لوضع رؤية عربية مشتركة.

وإضافة لهذه المقترحات والتصورات فإن هناك عدة عوامل ينبغي التأكيد عليها في إطار السعي إلى تحقيق لإصلاح والتطوير، منها:

ـ تشكيل لجنة من الحكماء العرب المشهود لهم بالانتماء القومي والحرص على تفعيل العمل العربي المشترك، تقوم بزيارة قادة الدول العربية لشرح أهداف وثيقة إصلاح وتطوير الجامعة وإقناعهم بضرورة أن يكون هناك تضامن حقيقي وإلا فالمخاطر القادمة كبيرة، بحيث يكون هؤلاء وسيلة من وسائل مساعدة الجامعة لدى الدول.

ـ أهمية التشاور والتواصل الدائم بين الأمين العام والمندوبين الدائمين لدى الجامعة وإطلاعهم على القضايا التي تخص العمل العربي المشترك، باعتبارهم لسان حال الجامعة لدى دولهم، ولسان دولهم لدى الجامعة.

ـ أن استحداث منصب أو وظيفة المفوضين لا يساعد في عملية الإصلاح والتطوير بقدر ما يؤدي إلى نوع من الازدواجية والبلبلة.

مبادرة "عمرو موسى" هذه التي سيعرضها على مؤتمر القمة القادم في مارس 2004 في تونس تمثل بداية جادة وتعكس رغبة حقيقية لديه في تفعيل وتطوير العمل العربي المشترك، ومن ثم فالدعوة مفتوحة لكل رجالات الأمة ومفكريها ليدلوا بدلوهم في هذا الإطار.

العدد 33 ربيع 2003

إفتتاحية العدد: مخاطر وتحديات حرب العراق

في مشهد دراماتيكي  امتزجت فيه مشاعر الحزن  بعلامات الدهشة وعلى خلاف كل التوقعات من كافة المحللين على خلفية التصريحات النارية من القيادات العراقية، سقطت العاصمة العراقية بغداد في يد القوات الأمريكية، وتبخر النظام العراقي تاركًا شعبه ومقدراته وجها لوجه أمام الآلة العسكرية الأمريكية الجبارة.

وخرج الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش على الشعب العراقي عبر الشبكة التلفزيونية التي أقامتها قوات التحالف في بغداد ـ خرج بوش ليهنئ الشعب العراقي ويزف إليه بشرى سقوط نظام صدام حسين ويستمر في خطته الطويلة من الخداع والتضليل ويعدهم بالرخاء والرفاهية وأن تكون ثروات بلادهم لهم وبترولهم لهم، ما يعيد إلى الأذهان صورة نابليون بونابرت حينما جاء بحملته لغزو مصر وارتدى العمامة ونزل إلى الشعب المصري يتودد إليه ويعلن أنه ما جاء إلا ليخلصه من طغيان الأتراك، إلا أن بوش قد نسى عمامة نابليون.

وكما كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين وقت وجوده في السلطة غامضًا في كل قراراته ومواقفه التي جلبت الخراب والدمار على شعبه وأمته كان اختفاؤه أكثر غموضًا.

واجتهد المحللون في تفسير سر اختفاء صدام فمنهم من ذهب إلى أنه قد قتل في الغارة الأمريكية الأخيرة على المجمع الرئاسي ببغداد ومنهم من قال بأنه خرج من بغداد إلى مسقط رأسه تكريت ليستطيع تجميع قواته ومواصلة الحرب.

وهناك من قال بوجود صفقة تمت بين القوات الأمريكية والنظام الحاكم عبر وسطاء تم بموجبها تسليم بغداد للأمريكان وخروج صدام وحاشيته من العراق، ورغم أن هذا التصور الأخير قد يضعفه التركيبة الشخصية للرئيس العراقي إلا أن ثمة مؤشرات قد تقويه ومنها: الاختفاء المفاجئ لصدام ونجليه وجميع قواده في وقت واحد وكذلك ضرب القوات الأمريكية لمقر قناة الجزيرة وقناة أبو ظبي واللتان كانتا تغطيان الحرب بعيدًا عن السيطرة الأمريكية وكذلك ضرب فندق فلسطين ومحاصرته ليلة هروب صدام والذي يفسره البعض أنه تم للتغطية على الهروب الكبير.

وكما كان السقوط دارماتيكيًا كان المشهد بعد السقوط أكثر إثارة فقد عمدت القوات الأمريكية إلى فتح أبواب السجون خاصة بعد أن غابت قوات الأمن العراقية ليخرج من بها ويعبرون عما بداخلهم بإيعاز من القوات الأمريكية فيرقصون ويهللون ويسقطون تماثيل صدام ويسلبون وينهبون كل ما تطاله أيديهم من الممتلكات العامة والخاصة.

وفي تفسير مناف لجميع الأعراف السياسية والعسكرية يعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في مؤتمر صحفي بالبنتاجون أن هذه التصرفات تصرفات عادية ومتوقعة من شعب عانى الظلم والاستبداد على أيدي حكامه محاولا الإيحاء بأنها تصرفات تتسق وطبيعة الشعوب العربية غير المتحضرة.

وهنا تثور جملة من علامات الاستفهام: لعل أولها: أن ما حدث في بغداد من أعمال سلب ونهب لم يحدث مثلاً في ألمانيا النازية عقب سقوطها في أيدي قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية.

وثانيها: أن هذه الأعمال قد طالت كل المباني الحكومية في بغداد إلا وزارة البترول التي حرصت قوات  الحلفاء على حمايتها.

وثالثها: أن ما حدث يعد مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي يلزم قوة الاحتلال بحفظ الأمن والاستقرار في البلد المحتل.

ورابعها وهو الأهم هو أن جورج بوش قد أرسل قواته إلى العراق ـ كما كان يقول  ـ لتحرير الشعب العراقي ويترك في ذات الوقت ثرواته ومقدراته في وزارة التخطيط العراقية والبنك المركزي والمتحف العراقي بكل ما يحويه من تراث لا يقدر بثمن كيف يترك كل ذلك عرضة للنهب والسلب , ولعل الأمر الأخطر من ذلك كله هو أن رامسفيلد يحاول بتفسيراته أن يفتح بابا جديدا لغزو (تحرير) جديد.

وبدأ مؤشر الآلة العسكرية الأمريكية بالفعل يشير إلى سوريا فلم تتوقف الاتهامات الأمريكية إلى سوريا قبل الحرب وأثناءها فمن اتهام بأن سوريا قد أمدت العراق بأسلحة وأجهزة عسكرية حساسة إلى اتهام ثانٍ بأنها كانت تقوم بشراء السلاح للعراق نيابة عنه في وقت الحظر إلى ثالثٍ بأن صدام حسين قد أخفى أسلحة الدمار الشامل في سوريا إلى رابع بأن القيادات العراقية الهاربة قد تفر إليها, إلي خامس بأنها تأوي وترعي منظمات إرهابية وقائمة الاتهامات طويلة ولن تنتهي ما دامت إسرائيل تزكي نارها.

فليس بخاف المكاسب الإسرائيلية الكبيرة من وراء غزو العراق فقد أكد الكثير من المراقبين أن إسرائيل قد ساهمت في هذه الحرب , فهناك العديد من الأسلحة الإسرائيلية قد استخدمت فيها إضافة إلى أن الولايات المتحدة قد استفادت من الخبرات الإسرائيلية في حرب الشوارع والمدن في فلسطين.

وتنتظر إسرائيل العديد من المكاسب فإضافة إلى الحكومة العسكرية المحتلة القادمة في العراق بقيادة الجنرال المتقاعد "جارنر"  المعروف بموالاته لإسرائيل والتي ستقيم بلا شك علاقات استراتيجية مع إسرائيل، هذه العلاقات التي ستمثل خرقًا كبيرًا يصعب رتقه في النظام العربي فإن إسرائيل تنتظر أيضًا مد خط أنابيب البترول القديم من كركوك إلى حيفا والذي كان قد توقف في عام 1948 إضافة إلى العديد من المكاسب الأخرى على طريق النظام الشرق أوسطي.

أما تهديد سوريا وربما ضربها وغزوها فإنه يؤدي إلى إعادة رسم خريطة المنطقة بالكامل .

والأمر الأخطر بالنسبة لسوريا هو أن الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية قد غيرت سياستها والتي كانت تقوم على الاحتواء والردع والتي اتبعتها منذ بداية الستينيات من القرن الماضي وقد اكتفت خلالها بتوفير عنصر الردع أي الاكتفاء بتوفير القدرات العسكرية والنووية الكفيلة بإبادة الخصم في حالة مبادرته بمهاجمتها إلى سياسة الضربات الوقائية التي تعني  مهاجمة أعدائها المحتملين لإجهاض مخططاتهم وإفشال مساعيهم للنيل منها وتكمن خطورة هذا المفهوم في احتفاظ الولايات المتحدة لنفسها بالحق المنفرد في تحديد هؤلاء الأعداء المحتملين ، ما يبرز إمكانية استخدام الولايات المتحدة لهذا المبدأ في هجماتها على الدول ذات التوجهات المغايرة لها وكذلك في ظل عدم اكتراثها بالشرعية الدولية واعتمادها على شريعة القوة وإعلائها لمفهوم السيادة المشروطة الذي يوجب عدم احترام السيادة الوطنية للدول التي تعجز عن مكافحة الإرهاب أو تهادنه.

في ظل كل هذه المؤشرات يبدو الخطر المحدق بسوريا جليا فهل يبادر النظام العربي أو ما تبقى منه باحتواء هذا الخطر؟

وتحاول الولايات المتحدة في ظل هيمنتها على العالم أن تنفرد بكل شئ، حتى الحقائق والمعلومات لا تريد أن يعرف العالم إلا ما تريده أن يعرفه وهو ما بدا جليًا في إدارتها لحملتها في العراق والتي شهدت تعتيمًا إعلاميًا وتضليلاً لم يشهده العالم منذ اختفاء "جو زيف جوبلز" وزير الدعاية الألماني النازي من 1933 حتى 1944 وتماشيًا مع سياستها الجديدة (الضربات الوقائية) اتبعت الولايات المتحدة في هذه الحرب كل أساليب ووسائل الحرب النفسية وهو ما تنبأ به بعض المحللين في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي حينما توقعوا أن تصبح الحرب النفسية جزءًا رئيسيًا من الحروب في الفترات القادمة.

يقول "بول لاينبرجر" وهو من أوائل الذين مارسوا الحرب النفسية الحديثة خلال الحرب العالمية الثانية لخدمة أهداف المؤسسة العسكرية الأمريكية في كل من آسيا وأوروبا ثم خلال الحرب الكورية "في  المعنى الضيق تشمل الحرب النفسية استخدام الدعاية ضد العدو مع ما يكملها من الأعمال العسكرية، ويمكن  أن نسميها محاولات الإقناع المنظم البعيدة عن العنف والحروب ويمكن اعتبارها إلى حد ما إقناعًا بالعنف" كما يعرف الدعاية العسكرية بأنها "الاستعمال المخطط لأية صورة من صور الاتصال التي تهدف إلى التأثير على عقول ومشاعر وأعمال مجموعة معينة من الأعداء أو المحايدين أو الأصدقاء لتحقيق غرض تكتيكي أو استراتيجي معين.

 

ومن التعريفات الأمريكية أيضًا أن الحرب النفسية "هي أحد الأعمال التي تمارسها الاستخبارات من خلال محاولة التلاعب بأفكار وقناعات العدو للتأثير على سياسته.

إذ يتم معالجة الأفكار وتحريفها وتغييرها ثم نقلها إلى الآخرين من خلال عمليات منظمة لإغوائهم وتغيير قناعاتهم وأفكارهم بدون استخدام العنف.

ولا يمكن أن تشن الحرب النفسية منفردة بل لابد لها من أن تكون جزءًا مكملاً إما لحرب شاملة أو حرب محدودة (صراع عسكري عنيف) وكجزء من حرب سياسية (وهي الحرب التي تواجه فيها الدولة خصومها بالوسائل الدبلوماسية، والوسائل الاقتصادية والإعلامية والدعاية دون أن تتورط في اللجوء إلى استخدام القوة.

وتهدف الحرب النفسية إلى استحداث تصورات معينة لدى العدو أو نفي تصورات معينة عن طريق الدعاية أو عمليات عسكرية استعراضية والتنسيق بين العمل العسكري والعمل الدبلوماسي لزرع تصورات معينة وإحداث الفوضى والبلبلة في معسكر العدو للتأثير على روح الجنود المعنوية وعلى انضباطهم وعلى قرارات ضباطهم وقادتهم بالإضافة إلى عمليات غسل الدماغ" وغسل الدماغ عمل منظم يخضع له عادة أسرى الحرب أو متتبعو برامج إذاعة العدو وإرساله التلفزيوني.

كل هذه الوسائل اتبعتها الولايات المتحدة في العراق حتى أطلق بعضهم على هذه الحرب "حرب تدمير العقول" وخاصة استعراض القوة ما دعا بأحد المحللين أن يقول إن الولايات المتحدة كادت أن تقيم زفة إعلامية لكل فرد من قواتها وهو في طريقه إلى العراق لبث الرعب ليس في نفوس العراقيين فقط بل يتعدى ذلك إلى حلفائها أنفسهم ما يشير إلى أن هذه الحرب تتعدى مخاطرها الحدود العراقية إلى دول أخرى في المنطقة..

العدد 32 شتاء 2003

إفتتاحية العدد: قمة الدوحة عام 2002 ورسالة عتاب

رغم أن القمة الثالثة والعشرين التي استضافتها الدوحة يومي 21 و22 ديسمبر 2002، عقدت في ظل ظروف مشابهة لتلك التي عقدت فيها القمة الحادية عشرة التي استضافتها عام 1990، حيث تخيم أجواء الحرب على المنطقة، إلا أن أهداف هذه الحرب وأبعادها القانونية والأخلاقية وتداعياتها، تختلف إلى حد يمكن القول بأنها متناقضة في الحالتين، ففي عام 1990، عقدت القمة في وقت كانت فيه الولايات المتحدة بمساعدة دول مجلس التعاون تسعى إلى تشكيل تحالف دولي من أجل إرغام النظام العراقي على الخروج بقواته من الأراضي الكويتية التي احتلها في أغسطس من نفس العام في تحدٍ واضح لقرارات ومواثيق الشرعية الدولية التي تحرم اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية في العلاقات الدولية، والمساس بسيادة دولة واستقلالها الإقليمي، ومن ثم فقد كانت الحرب مبررة قانونيًا، إضافة إلى أنها تمت بموجب قرار من مجلس الأمن وبموافقة من جامعة الدول العربية، كما أنها كانت مبررة أخلاقيًا، نظرًا لكونها هدفت إلى تحرير دولة من الاحتلال.

ونتيجة لذلك، فقد شاركت الدول العربية والإسلامية في التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة، ووصل عدد الدول المشاركة في هذا التحالف إلى أكثر من ثلاثين دولة، ومن هنا كانت الحرب مشروعة، وقد أكدت القمة الخليجية التي عقدت في الدوحة عام 1990 في بيانها الختامي وقوفها في وجه العدوان العراقي وتصميمها على مقاومته، وعزمها على إزالة كافة آثاره ونتائجه، من منطلق أن أي اعتداء على أي دولة عضو، هو اعتداء على جميع الدول الأعضاء، وأن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ، وأن عدوان العراق على الكويت هو عدوان على كافة دول المجلس.

بيد أن الظروف أو أجواء الحرب التي عقدت في ظلها قمة الدوحة 2002، تختلف كليًا عن تلك التي كانت سائدة عام 1990، فالحرب التي تستعد الولايات المتحدة لشنها ضد العراق، غير مبررة قانونيًا وأخلاقيًا وسياسيًا وحسب بل واقتصاديًا أيضًا، كما أن تداعياتها على المنطقة ستكون مختلفة تمامًا، فهذه الحرب لم يصدر بشأنها قرار من مجلس الأمن حتى هذه اللحظة، كما أنها تواجه معارضة الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي، فإذا كانت حرب 1990 قد هدفت إلى إعادة الشرعية لدولة الكويت وتحريرها من دولة محتلة فإن الحرب المحتملة ضد العراق الآن غير شرعية ولا أخلاقية، وتهدف واشنطن من خلالها إلى احتلال العراق وهو موقف مشابه لما فعله صدام حسين عام 1990.

وبالنظر للأهداف المعلنة للحرب الأمريكية المحتملة، وهي: أن نظام صدام حسين هو أكثر النظم وحشية في التاريخ الحديث باعتبار أنه مسؤول عن سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان ومهاجمة جيرانه وانتهاك القانون الدولي وعدم الالتزام بقرارات مجلس الأمن، وأن هذا النظام سيكون أكثر خطورة بشكل يجعله يشكل تهديدًا للمصالح الأمريكية في المستقبل نظرًا لأنه يمتلك أسلحة دمار شامل أو سعى لامتلاكها، ويؤيد الإرهاب الدولي، وبالتالي فإن القضاء عليه هدف مرغوب فيه، نجد أنها لا تقدم تبريرًا مقنعًا للحرب، لأن إسرائيل تمارس الإرهاب ولديها أسلحة تدمير شامل وترفض تنفيذ قرارات الأمم المتحدة وترتكب جرائم يومية بحق الشعب الفلسطيني إلى جانب ضخامة التكاليف البشرية والاقتصادية المتوقعة لهذه الحرب، وهو ما يرجح ما ذهب إليه العديد من المراقبين، بأن هناك أهدافًا أخرى غير معلنة لهذه الحرب، منها على سبيل المثال الرغبة في السيطرة على إمدادات النفط وأسعاره وإعادة نظام إدارتها دوليًا بحيث تصبح إدارة النفط العالمية كنظام استراتيجي محكومة من جانب الولايات المتحدة مما يوفر لها كثيرًا من عوامل الهيمنة والسيطرة العالمية، كما أن هذه الحرب تمثل خطوة أولى على طريق 

إحداث خلخلة في المنطقة وإعادة رسم خريطتها السياسية والإقليمية، بما يخدم المصالح الأمريكية ـ الإسرائيلية وخاصة من جهة إيجاد واقع عربي ضعيف يخضع للضغوط من أجل الوصول لحل النزاع العربي ـ الإسرائيلي وفقًا لما تراه إسرائيل، كما أن الحرب على العراق ستكون أول تجربة حقيقية 

لاختبار استراتيجية الهجمات الوقائية التي أعلنتها إدارة بوش منتصف العام 2002، وهذه الأهداف لا يمكن أن تكتسب أي شرعية وبالتالي دعم دول المجلس.

إضافة لذلك، فإن التداعيات المترتبة على مثل هذه الحرب ستكون شديدة الوطأة على المنطقة العربية برمتها وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي سياسيًا واقتصاديًا، إذ أنه من المتصور أن تشهد المنطقة توترات شديدة ستخلق حالة من عدم الاستقرار العام إذا أقدمت واشنطن على تنفيذ مخططها، متمثلة في اندلاع عمليات إرهابية ومظاهرات شعبية قد تصاحبها أعمال عنف موجهة ضد المصالح الأمريكية والغربية مما يزيد من حدة الاحتقان بين الشعوب العربية وحكوماتها، وعلى المستوى الاقتصادي من المتصور أن تزيد حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها دول المنطقة؛ حيث ستؤدي الحرب إلى تشويه المناخ الاستثماري وتدهور قطاع السياحة بسبب الفوضى التي يمكن أن تنجم عنها، كما أن سيطرة الولايات المتحدة على المخزون النفطي العراقي سيجعلها تدفع أسعار النفط إلى الانخفاض مما يؤدي إلى تدني العوائد النفطية لدول المنطقة بشكل قد يقود إلى إنهيار اقتصادياتها، وكذلك على تفكك منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أو انهيارها، ومن ثم إنهاء أي تحكم لها في سوق النفط الدولية، بل إنه على المستوى الدولي يمكن أن تكرس هذه الحرب مفاهيم الحرب الوقائية واستخدام القوة العسكرية لمواجهة أية تهديدات محتملة حتى لو لم تكن أكيدة مما يعرض المعايير القانونية والأخلاقية الدولية للانهيار، كما أنه يمكن أن تلجأ إسرائيل إلى استخدام نفس الأسلوب في التعامل مع جماعات المقاومة الفلسطينية والدول العربية المجاورة لها، خاصة في ظل التفوق الاستراتيجي والعسكري لها في المنطقة.

في ظل هذه الظروف وأجواء الحرب غير المشروعة، جاءت قمة الدوحة 2002 لتؤكد ثوابت الموقف الخليجي الرافض لمنطق استخدام القوة ضد العراق، في ضوء الإدراك التام من دول المجلس لحقيقة الأهداف من هذه الحرب المحتملة وخطورة تداعياتها، حيث أكد البيان الختامي للقمة تمسكه بقرار قمة بيروت العربية الخاص بالعراق، والذي يرفض أي عمل عسكري ضد أي دولة عربية بما فيها العراق ويعتبره تهديدًا لأمنها القومي، وحث العراق على التعاون الإيجابي مع مفتشي الأسلحة الدوليين الذين دعاهم إلى ضرورة أن يراعوا في أداء مهامهم الحياد والموضوعية المهنية وعدم افتعال الأزمات، ودعت القمة المجتمع الدولي إلى العمل على مساعدة الجانبين العراقي والمفتشين الدوليين على إنهاء المهمة في أسرع وقت ممكن وبما يؤمن رفع الحصار عن العراق وإنهاء معاناة شعبه، مؤكدة موقفها الثابت من ضرورة احترام استقلال العراق ووحدة أراضيه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

وقد تعرضت القمة لعدد من الانتقادات، سواء لجهة انخفاض مستوى التمثيل، أو لجهة أن قراراتها لم تكن على مستوى الحدث أو التطورات التي تشهدها المنطقة، حيث انتقد البعض تغيب عدد من قادة المجلس عن اجتماعات القمة كتعبير عن مواقف سياسية معينة تجاه الدولة المضيفة، مؤكدًا على ضرورة الفصل بين الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء في المجلس وبين مسيرة مجلس التعاون نفسه، بل إن البعض ذهب إلى القول بأن هذا التغيب يمكن أن يضعف من مسيرة المجلس التكاملية، ويجعل من المجلس منظمة عديمة الجدوى كباقي التجمعات الإقليمية العربية الأخرى، وقال البعض الآخر أن قرارات القمة لم تأت بالجديد، بل إنها شهدت تراجعًا في بعض المواقف السياسية مثل اتخاذ موقف جماعي رافض لخطط ضرب العراق أو دعم الانتفاضة الفلسطينية، بل إن البعض يرى أن ما نص عليه البيان الختامي للقمة من اعتبار أن خطاب الرئيس العراقي صدام حسين الذي وجه للكويت يوم 7/12/2002 يمثل انتهاكًا للقرارات الدولية، يمكن أن يوفر ذريعة لواشنطن لضرب العراق.

وواقع الأمر أن النظر إلى هذه الانتقادات، يوضح ، أن الأمر ليس بهذه الحدة كما يتصور البعض، فانخفاض مستوى التمثيل لم يؤثر كثيرًا في مسيرة المجلس أو القرارات الصادرة عن القمة، فالسعودية والبحرين شاركتا في القمة بإيفاد شخصيات سياسية على مستوى عالٍ من الحكمة والمقدرة ممثلة في وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء بمملكة البحرين الشيخ حمد بن مبارك وبتفويض كامل، كما شاركتا كل من الإمارات والكويت بنفس مستوى التمثيل الذي شاركتا به في القمم الخليجية السابقة حيث رأس الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس الوزراء وفد بلاده، في الوقت الذي شاركت فيه الكويت بوفد رأسه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد، وفي جميع الأحوال فقد شاركت جميع دول المجلس وبفاعلية في أعمال القمة ولم تقاطعها أية دولة منذ تأسيس المجلس وهو ما يؤكد على مدى حرص الجميع على الالتزام بتعزيز مسيرة المجلس التكاملية وفصل الخلافات الثنائية التي قد تنشب عن هذه المسيرة... ومع ذلك يمكننا القول بأن تغيب بعض القادة عن القمة يمكن تفسيره على أنه رسالة عتاب سياسية موجهة لقطر على بعض المواقف السياسية والإعلامية التي تجاوزت مبادئ التعاون وأضرت بمبدأ التنسيق مع دول المجلس. ويعني ذلك، أنه ينبغي، أن تراجع قطر مواقفها تلك، لتنسجم مع باقي دول المنطقة، وأن تلعب دورًا يتناسب مع حجمها وقدراتها، حرصًا على قطر نفسها من التدخل الأجنبي، وتعزيزًا لعلاقاتها الخليجية والعربية بل والإسلامية.

ويكفي أن نشير في هذا الصدد، إلى أن مجلس التعاون قد حافظ خلال قمة الدوحة الأخيرة على أهم إنجازاته ومكتسباته التي حققها خلال السنوات الـ 23 السابقة والمتمثلة في انتظام عقد اجتماعاته الدورية، ثم التشاورية، وهو إنجاز لا يمكن التقليل من قيمته نظرًا لما تسمح به دورية انعقاد القمة من تعزيز للتنسيق والتشاور بين الدول الأعضاء بما يقرب من مواقفها وسياستها ويقلص من تداعيات أية خلافات يمكن أن تنشب بين أعضائه. غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الحفاظ على مسيرة المجلس والإنجازات التي حققها طوال السنوات الماضية، ودفعها إلى المزيد من التقدم يستلزم من دول المجلس أن تكيف سياساتها وتوجهاتها بحيث تتفق والموقف الجماعي للمجلس مثلما يحدث في الاتحاد الأوروبي؛ حيث تنازلت الدول عن بعض توجهاتها السياسية لصالح المجموع أو عن بعض الخطط الاقتصادية لمعالجة بعض الظواهر مثل البطالة أو غيرها.

أما فيما يتعلق بالقرارات الصادرة عن قمة الدوحة، فإنه لا يمكن التقليل من شأنها، فعلى المستوى الاقتصادي أقرت القمة الاتحاد الجمركي الخليجي بدءًا من يناير 2003، وأكدت حرص دول المجلس على تذليل الصعوبات والعقبات أمام حركة السلع وزيادة حجم التجارة البينية وإقامة السوق الخليجية المشتركة في موعد لا يتعدى نهاية عام 2007، وإصدار عملة موحدة بحلول عام 2010، وعلى المستوى السياسي، جاءت قرارات القمة لتؤكد ثوابت موقف دول المجلس من قضايا أمتها العربية خاصة قضيتي العراق وفلسطين، فموقف المجلس من هاتين القضيتين لم يشهد تراجعًا كما يرى البعض استجابة للضغوط الخارجية، فبالنسبة للعراق لم تؤكد دول المجلس موقفها السابق الرافض لخطط ضرب العراق وحسب بل إنها تقدمت خطوة في هذا الصدد وذلك بتأكيدها على ضرورة إسراع المفتشين في أداء مهامهم بحيادية كاملة حتى يتم رفع الحصار عن العراق وإنهاء معاناة شعبه، كما أنه لا يجوز تفسير ما تضمنه البيان الختامي للقمة من إدانة لخطاب الرئيس العراقي صدام حسين بشأن ما تضمنه من مزاعم وافتراءات ضد الكويت يوم 7 ديسمبر 2002 على أنه ذريعة لواشنطن لضرب العراق، فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى مثل هذه الذريعة، وما ورد في البيان الختامي بهذا الصدد ليس إلا تأكيدًا لوحدة المجلس ودعمه للكويت في مواجهة الخطاب العراقي الذي تضمن تحريضًا للشعب الكويتي على قيادته وحكومته وداعمًا للأعمال الإرهابية التي وقعت في الكويت، ومن ثم فهذا الموقف ليس إلا رسالة من دول المجلس مجتمعة للنظام العراقي للتوقف عن اللهجة الاستفزازية المعتادة، إلا أن المجلس لم يتراجع عن موقفه الرافض لضرب العراق في ضوء إدراكه لخطورة أبعاد وتداعيات أي عمل عسكري محتمل في المنطقة، ولعل ذلك هو ما أكده وزير الخارجية السعودي عقب انتهاء أعمال القمة وفي مؤتمره الصحفي في الخرطوم يوم 29/12/2002 بقوله: "إن العراق بلد مهم ومحوري في العالم واستقراره وازدهاره مهم لجميع دول المنطقة، والسعودية لن تسمح أن تستخدم أراضيها لمهاجمة العراق".

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد أكد البيان الختامي للقمة ثوابت الموقف الخليجي الداعم للقضية الفلسطينية، حيث أدان الممارسات الوحشية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وأكد أن انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة عام 1967 هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة، ودعا المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل للتوقف عن ممارساتها اللاإنسانية وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، كما طالب بجعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل خالية من أسلحة الدمار الشامل، غير أن عدم إشارة البيان الختامي للانتفاضة الفلسطينية، لا يعني تراجعًا في الموقف الخليجي الذي لعب دورًا محوريًا في دعم الانتفاضة والنضال الفلسطيني بصفة عامة، بقدر ما يعني تكييفًا للموقف الخليجي ليتواءم والتوجهات الدولية بل والفلسطينية التي تطالب بأن تتحول المقاومة إلى الخيار السلمي حتى يتم إعطاء فرصة لمعرفة مدى إمكانية التوصل إلى تسوية عادلة من عدمه وهي التوجهات التي نتفق معها إذا شعرنا أن إسرائيل تتوجه نحو السلم أيضًا.

خلاصة القول: إنه رغم دقة الظروف التي عقدت فيها القمة الخليجية والتي تخيم عليها أجواء الحرب التي تعتزم الولايات المتحدة شنها ضد العراق، ورغم تغيب بعض القيادات المهمة والمؤثرة في المنطقة عنها، إلا أن جميع الدول حرصت على المشاركة في أعمالها من أجل تفعيل مسيرة المجلس كآلية جماعية للدفاع عن مصالح أعضائه، لهذا عقدت القمة في موعدها وناقشت جدول أعمالها، واتخذت عددًا من القرارات التي وإن لم ترق إلى مستوى الطموح الذي عقدته عليها الشعوب الخليجية، إلا أنها صبت في اتجاه تدعيم العمل الخليجي المشترك بمشاركة جميع الدول الأعضاء، وهو ما يعكس وعيًا خليجيًا بأهمية المجلس ودوره في تحقيق التكامل بين دول المنطقة وفصل أية خلافات ثنائية يمكن أن تنشأ عن عمل المجلس ككل، مع التنبيه على ضرورة التزام جميع الدول الأعضاء في المجلس بسياساته ومواقفه الجماعية حتى يستمر في أداء دوره باعتباره أكثر النماذج التكاملية العربية نجاحًا.

bottom of page