top of page

6/11/2021

قراءة في مخرجات قمة العشرين في روما

اجتمع قادة مجموعة دول العشرين؛ الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، وأستراليا، والصين، وروسيا، والهند، والبرازيل، واليابان، والسعودية من بين دول أخرى، سواء شخصيًّا أو إلكترونيا في العاصمة الإيطالية، روما، يوم 30 أكتوبر؛ بهدف التوصل إلى اتفاقيات بشأن الإصلاحات الضريبية، واتفاقيات المناخ، وتقليل الاعتماد على الفحم للحصول على الطاقة.

 

ورغم أن مجموعة العشرين ليست منظمة ذات سلطات تشريعية أو تملك صنع القرار، فإن أعضاءها يمثلون 80% من الاقتصاد العالمي، و75% من التجارة العالمية، و60% من سكان العالم. ومع انعقاد القمة تعلقت الآمال بأن تكون مؤشرا للنجاح المحتمل بشأن التزامات عالمية أقوى لخفض انبعاثات الكربون. وبالنظر إلى أن الدول الأعضاء بالمجموعة مسؤولة عن 80% من جميع الانبعاثات العالمية، فإن قدرتها على التوصل إلى اتفاقيات بشأن سياسة المناخ أصبحت أشد إلحاحًا.

 

ومع أن القمة أسفرت عن اتفاقية لإدخال ضريبة دنيا جديدة للشركات العالمية بنسبة 15%، تستهدف الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات، وبدعم من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بجانب الإجماع على الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية، ونهاية التمويل الدولي لقطاع الطاقة المعتمد على الفحم، فإن هناك انتقادات واسعة النطاق لقيادة مجموعة العشرين، وأبرزها أن تدابيرها وإجراءاتها لم تكن ملحة وحازمة بشكل كافٍ فيما يتعلق بسياسة المناخ، رغم المناشدات المستمرة من رئيس الوزراء البريطاني، «بوريس جونسون»، لقادة العالم الآخرين، بأن العالم، «على بعد دقيقة واحدة من الكارثة»، و«نحن بحاجة إلى التحرك الآن».

 

وفي روما، أصدر قادة المجموعة -مع الرئيس الروسي بوتين، ورئيس الوزراء الصيني، شي جين بينغ عبر روابط الفيديو- عدة اتفاقيات بشأن المناخ. ومع ذلك، فإن الخلافات الجيوسياسية العامة بين أعضاء المجموعة، فضلا عن الانتقادات المذكورة أعلاه للمحللين، طغت إلى حد كبير على الآثار الإيجابية المتوقع حدوثها، حيث تم الاتفاق على إنهاء التمويل الدولي لطاقة الفحم، غير أن الأهم من ذلك أن الدبلوماسيين البريطانيين والأوروبيين فشلوا في إقناع أكبر منتجي ومستهلكي الفحم في العالم وهي الصين، وأستراليا، والهند، وروسيا، بالتخلص التدريجي من استخدامه. وبالمثل، فإن الاتفاق الجماعي على الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية -وهي المرة الأولى التي تتعهد فيها دول المجموعة بمثل هذا الوعد- تقوضت بسبب حقيقة أن 12 عضوًا فقط التزموا حتى الآن بتحييد أثر الكربون بحلول عام 2050. أبرزهم الصين والهند.

 

وقبل انعقاد القمة، تنبأ كل من «آنا أبيرج»، و«روث تاونند»، من «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، بخيبة الأمل تلك، بإشارتهما إلى أن العديد من أعضاء مجموعة العشرين «لم يقدموا بعد أهدافهم المعززة لخفض الانبعاثات لعام 2030». في حين أن آخرين فعلوا ذلك، ولكن دون «الارتقاء بسقف طموحهم بشأن هذه الأهداف وتحقيقها في القريب العاجل»، ومن ضمنهم، أستراليا والبرازيل وإندونيسيا والمكسيك.

 

وبعيدا عن قضايا التغير المناخي، ظلت الخلافات العامة بين أعضاء المجموعة حاضرة في روما، ومن بينها استمرار الخلاف المرتبط بالاستنكار الفرنسي لأفعال كل من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، واتفاقية الدفاع الأسترالية أوكوس. وبعيدًا عن إظهار صورة الدول الغربية التي تتعاون بحسن نية فيما بينها؛ اتهم الرئيس الفرنسي، «ماكرون»، رئيس الوزراء الأسترالي، «سكوت موريسون»، بالكذب والخداع حينما تم إلغاء صفقة شراء غواصات فرنسية من قبل أستراليا، واعترف «بايدن»، بأن تلك الصفقة كانت «خرقاء»، «ولم تتم بشرف تجاه باريس»، كما أدى الخلاف بين «جونسون»، و«ماكرون»، بشأن حقوق الصيد بين المملكة المتحدة، وفرنسا إلى نتائج عكسية، حيث حذر الرئيس الفرنسي من إجراءات انتقامية محتملة ضد بريطانيا لرفضها منح تراخيص الصيد للسفن الفرنسية.

 

وإضافة إلى الشعور العام بسوء النية، اتهم «بوتين»، أعضاء المجموعة الآخرين بـ«المنافسة غير الشريفة» على لقاحات Covid-19. في حين صرح وزير الخارجية الصيني، «وانغ يي»، أن دول المجموعة الغربية «ستدفع ثمنًا» لمعارضتها بكين ودعم تايوان، وعليه، قوضت كل هذه الإلهاءات غير الضرورية بشكل متوقع الروح الجماعية التي كان من المفترض أن تعززها القمة.

 

وعلى نطاق واسع، انتشرت انتقادات لاذعة لعدم اتخاذ إجراءات وتدابير حازمة إزاء ظاهرة تغير المناخ من قبل قادة المجموعة. وعلق الرئيس الأمريكي، «جو بايدن»، أنه من «المخيب للآمال»، أن موسكو وبكين «لم تصرحا بشكل أساسي بأية تفاهمات أو توافقات فيما يتعلق بالتزاماتهما للتعامل مع تلك الظاهرة». وفي هذا الصدد، وصف «روب ميريك»، من صحيفة «ذا إندبندنت»، رئيس الوزراء «جونسون»، بأنه «بدا محبطًا بشكل واضح»، جراء أن قمة روما «شهدت الكثير من القصور لتلبية الحد الأدنى من المتطلبات المعنية بالتغير المناخي».

 

وبدورها، انتقدت منظمة «جرينبيس» -المعنية بتقليل أثر الاحتباس الحراري- قادة المجموعة بسبب أنهم «لم يضعوا أيديهم على الأهداف الواجب تحقيقها»، فضلا عن أن البيان الرسمي الصادر عنهم بدا «ضعيفًا» و«يفتقر إلى عناصر الطموح والرؤية الواضحة». فيما رفضت «أوسكار سوريا»، من شبكة «آفاز» للنشطاء، مسألة «انعدام الشعور بالإلحاح في مواجهة ما قد تؤول إليه التداعيات الكارثية لظاهرة التغير المناخي»، فضلا عن الحاجة إلى وجود «التزامات وإجراءات ملموسة»، بدلا من «مجرد إطلاق قوائم أمنيات غامضة» على ألسنة قادة العالم فحسب.

 

علاوة على ذلك، فإن بعض الدول الأصغر حجمًا ذات البصمة الكربونية الأقل، قد انتقد أيضًا فشل قمة روما في معالجة ظاهرة الاحتباس الحراري. وقال رئيس مجموعة الدول الأقل نموا «سونام وانجدي»، التي يمثل أعضاؤها أكثر من مليار من سكان العالم، في بيان إن «النقاط التي تم إحرازها لا تكفي بالتأكيد حتى الآن»، خاصة وأن قادة العالم بحاجة إلى «رفع سقف الطموح العالمي، وزيادة الأموال لمكافحة تغير المناخ». على الرغم من أننا «قد قمنا بدورنا، وساهمنا في تقليل نسبة الانبعاثات الضارة».

 

وفي نفس السياق، انتقد «محمد أدو»، من «مركز أبحاث الطاقة المناخية»، البيان الضعيف الصادر عن المجموعة، قائلا: «ماذا سيحدث للدول الأكثر والأفقر، والتي هي أكثر عرضة للآثار الضارة للطقس القاسي؛ لأنها تعتمد بشكل أكبر على البيئة الطبيعية للغذاء والوظائف، وليس لديها الكثير من الأموال لإنفاقها على التخفيف من تلك الآثار، خاصة أنها لم تدلي بدلوها خلال قمة العشرين».

 

من ناحية أخرى، كانت هناك ردود فعل أكثر إيجابية، مثل ما أشار إليه «توم بيرك»، من «مؤسسة بيئة الجيل الثالث»، من أن «التعهد بالالتزام بخفض ارتفاع درجة الحرارة العالمية، واستخدام أنواع الفحم النباتي المضغوط للحفاظ على البيئة الطبيعة الخضراء، والشعور بأهمية وخطورة تداعيات ظاهرة تغير المناخ من قبل قادة المجموعة -في ضوء الاعتماد على الإحصاءات ونتائج التلوث العلمية- تعتبر نقاطًا تمثل في حد ذاتها «إشارة سياسية ستساعد في التوصل إلى اتفاق موحد إزاء هذا الأمر».

 

ومع ذلك، تظل تلك النقاط تمثل دعمًا محدودًا، وربما لم تقدم حالة التقاعس النسبي والمشاحنات الدبلوماسية خلال القمة شيئًا يذكر. ووفقًا لكل من «كارل ماتيسين» و«جاكوبو باريجاززي» في مجلة «بوليتيكو»، لا تزال نتائج القمة، تترك رسالة مفادها «أنه سيظل هناك صراع كبير حول أي البلدان تحتاج حقًا إلى إثارة مخاوفها المناخية خلال العقد الجاري، وتحديد وتقليص حجم ومستويات انبعاثاتها الكربونية».

 

ووفقا لكل من «نيلز جراهام»، و«مورجانك بوشاري»، من «المجلس الأطلسي»، فإن مجموعة العشرين أصبحت منقسمة بشكل متزايد، حيث تنقسم حاليًا إلى مجموعتين تتفاوت لديهما مستويات القوة الاقتصادية غير المتكافئة، مضيفين أن هناك استجابة «غير منسقة وضعيفة نسبيًا» من جانب بعض أعضاء المجموعة، حيال وباء فيروس كورونا؛ حيث إن هذه الأزمة عمقت «الهوة بين اقتصادات مجموعة السبع، وبقية المجموعة»، والتي يسمونها «مجموعة الـ13» المتبقية. ويمكن رؤية المزيد من الأدلة على هذا الانقسام في فشلهم في تنفيذ المهام المتعلقة «بطرح اللقاحات»، و«تخفيف الديون»، و«تعزيز سلاسل التوريد»، و«التنسيق المالي» لمواجهة الجائحة.

 

وسعيًا إلى توضيح حجتهما، سلط «جراهام»، و«بوشاري»، الضوء على حجم الإنفاق المالي الذي أنفقته الحكومات الوطنية لمجموعة السبع، والذي يقدر بنحو أكثر من خمسة أضعاف ما أنفقته مجموعة البلدان الثلاثة عشر المتبقية «؛ وبالتالي، فإن «مجموعة العشرين تعاني قصورًا بشكل ملحوظ في الوفاء بوعودها والتزاماتها بدعم الاقتصاد العالمي خلال فترة انتشار الوباء ومازال». ولعل النتيجة النهائية لذلك هي «تقسيم» مجموعة العشرين إلى مجموعتين مختلفتين في المصالح والاهتمامات.

 

ومع ذلك، يرى كل من «آبي كروليك»، و«محمد محمود»، من «معهد الشرق الأوسط»، أن التزامات دول الخليج بتحقيق انبعاثات كربونية «صفرية» خلال 2050. «تعالج تدريجيا» مسألة اعتماد اقتصاداتها على صادرات النفط والغاز في المقام الأول. وبالتالي، فإن الضغط لاعتماد سياسات أخرى، من جانب تلك الدول، قد يثبت نقطة خلاف مع العديد من الدول الأخرى التي تسعى إلى خفض انبعاثات الكربون بشكل مباشر وقوي خلال العقد المقبل.

 

على العموم، يبدو أن قمة مجموعة العشرين في روما قد قوضت روح التعاون والوحدة والعمل الجماعي بشأن المسائل المناخية المهمة، حيث انتقد المعلقون والنشطاء الاتفاقات المبرمة في روما باعتبارها تفتقر إلى الأهمية، كما أن الخلافات البارزة بين قادة المجموعة، ربما وترت العلاقات الجيدة اللازمة بين الدول الغربية لإقناع الدول الآسيوية بالحاجة إلى خفض انبعاثات الكربونية إلى الصفر بحلول عام 2050 على الأقل. وفي نهاية المطاف، انخفضت آفاق الآمال التي كانت مرتبطة بتحقيقها في هذه القمة، بالمقارنة بالقمم الأخرى السابقة.

{ انتهى  }
bottom of page