top of page

16/6/2021

توجهات بعض أعضاء البرلمانات الغربية تجاه الدول: البحرين.. دراسة حالة

صدر مؤخرًا عدد من الانتقادات والاتهامات المتشابهة في موضوعاتها والمتوافقة في توقيتاتها للبحرين، وجهها قلة قليلة من أعضاء في البرلمانات البريطانية، والأمريكية، والأوروبية، والإيطالية بشأن مسائل حقوقية، مصدرها على الأغلب جهات معارضة أو معادية أو منحازة بعيدة عن المهنية في التعامل مع قضايا وملفات حساسة تتعلق بأمن واستقرار دولة عضو في الأمم المتحدة، مع العلم أنه لا يحق لأي عضو في أي برلمان من الناحية المهنية والقانونية والأخلاقية التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، فكيف إذا كان هذا التدخل انحيازًا سافرًا واتهامات هي في مجملها ملفقة وغير صحيحة وبنظرة سطحية.

 

ولأن الأعضاء في تلك المجالس النيابية لا يخضعون للمساءلة، إذ يحتفظون بقدر كبير من الحرية بشأن القضايا التي يطرحونها؛ أي إن لديهم قدرا متساويا للانتقاد أو الثناء على الدول في ضوء أن المفهوم البرلماني لحرية التعبير؛ لا يُوجد قيودا على ما يمكن أن يقوله أي نائب في مجالس النواب المذكورة سواء كان بالإيجاب أو السلب باعتبار أنهم يتمتعون بالحصانة.

 

ورغم وجود مدونة سلوك للنواب في بريطانيا، متبعة في معظم الدول الغربية، مثل الولايات المتحدة، وإيطاليا، أو المنظمات متعددة الجنسيات، مثل الاتحاد الأوروبي، أو الأمم المتحدة، تراقب سلوك وامتيازات خاصة بأعضائها، وتشترط المصداقية والعمل من أجل المصلحة الوطنية، وأن على النواب التمتع بالولاء للنظام واحترام القانون والعمل من أجل مصالح الأمة وناخبيهم، وأن يتحلوا بالنزاهة والشفافية، وأن تكون المرجعية في اتخاذ قرارتهم هي المصلحة العامة، وليس من أجل جني مزايا مالية، سواء لأنفسهم أو لأسرهم أو لأصدقائهم، إضافة إلى التحلي بالمهنية بشأن جميع ما يتخذونه من قرارات وإجراءات، وأن عليهم تقديم أسباب تشفع لهم فيما اتخذوه من قرارات، كما لا يجوز لأي عضو أن يعمل كمؤيد مدفوع الأجر في أي إجراءات للمجلس وعدم اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يتسبب في ضرر لسمعة وسلامة بلده أو المجلس ككل أو أعضائه.

 

بمعنى آخر، فإنه مع توافر حماية للنواب من مسؤولية ما يقدمونه أو يصدر عنهم، سواء كانت صحيحة أم لا، فإنه يتعين عليهم الالتزام بمدونة قواعد السلوك التي تحثهم على التصرف بمهنية وصدق وبما يخدم المصالح الحقيقية للدولة وشعبها. ومع أنه لا توجد قيود على ما يمكن لأعضاء البرلمان التعليق عليه بشأن الحكومات الأخرى، إلاّ أن المطلوب هو إثارة القضايا التي لا تتعارض مع المصلحة الوطنية ومصلحة الناخبين أيضًا.

 

وإذا كان وضع مجموعة شاملة من الضوابط الأخلاقية والمهنية حقيقة يتفق عليها الجميع فيما يتعلق بالممارسات البرلمانية، فإن ممارسة البعض على أرض الواقع أظهرت فجوة كبيرة بين الواقع النظري والتطبيق العملي.

 

وعند تناول البحرين كدراسة حالة ومراجعة ما صدر مؤخرًا من انتهاكات لمدونة السلوك هذه من قبل نواب في المجالس المشار إليها، والتي جاءت متزامنة في التوقيت والمضمون -كما سبق الإشارة- يتضح أن هناك شططا في التطبيق العملي، وبعدا عن ما نصت عليه المدونة، والتي أكدت أن تكون ممارسات كل نائب بما يخدم المصلحة العامة لوطنه ولشعبه والتحلي بالنزاهة والصراحة في تصرفاته والأمانة في عمله بعيدا عن المصلحة الشخصية والمنفعة الذاتية، ليس هذا فحسب، بل عليه ألا يستمع أو يستشهد فقط بجهة واحدة معادية أو معارضة، بل بوجهة نظر أخرى أو أكثر ليصل إلى استنتاجات أدق وأشمل.

 

ولإثبات الفارق الكبير بين الواقع والمأمول؛ أي بين ما هو مطلوب من مدونة السلوك والممارسة الفعلية، نستعرض بعضا من ممارسات وانتقادات هؤلاء النواب لنؤكد بما لا يدع مجالا للشك هذا البون الواسع. فمن بين الممارسات الرسالة التي تم تسريبها إلى جهات معارضة، والتي كان من المفروض أن تبقى سرية، التى وجهتها النائبة البريطانية، «زارا سلطانة» إلى وزير الخارجية البريطاني «دومينيك راب»، بتاريخ 17 مارس 2021، تنتقد فيها بعض الأوضاع الحقوقية في البحرين، والتي استغلتها المعارضة البحرينية بغرض التشويه، وهو الأمر الذي يفتقد لأبسط قواعد المهنية، التي نصت عليها مدونة السلوك.

 

وهناك مثال آخر، وهو رسالة النواب الإيطاليين الأربعة المفتوحة يوم 13 مايو 2021، حول حالة حقوق الإنسان، والتي فيها خروج على الصلاحيات التي يتوجب على النواب العمل في ضوئها كممثلين للشعب الإيطالي، حيث إن توسيع صلاحياتهم على هذا النحو، يمثّل أمرًا مخالفًا للاتفاقيات الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول، وتقمصًا غير شرعي لمهام خبراء الأمم المتحدة المعنيين بحماية حقوق الإنسان، فضلا عن الطريقة غير اللائقة التي تم إرسال الرسالة بها من خلال الصحافة، وكأن الهدف منها التشهير والإساءة، فقد كان يتعين عليهم الالتزام بمدونة قواعد السلوك التي تحثهم على التصرف بمهنية وبما يخدم الدولة ومصالح الشعب.

 

ومن الأمثلة البارزة على انتهاك هذه القواعد، العريضة التي تقدم بها 7 أعضاء في مجلس العموم البريطاني يوم 24 مايو، وتضمنت افتراءات مضللة وبعيدة عن الحقيقة حول وضع حقوق الإنسان في البحرين؛ وكان الأولى بهم قبل أن يتبنوا مزاعم وتفسيرات خاطئة مبنية على معلومات من مصادر منحازة أو معادية، أن يراجعوا الجهات المعنية البحرينية، وذلك بالتواصل مع مجلس النواب أو السفارة البريطانية في البحرين أو السفارة البحرينية في لندن أو يقوموا بزيارة ميدانية للبحرين لمناقشة هذا الموضوع واستقصاء الحقيقة أي الاستماع إلى وجهة النظر الأخرى.

 

وكجزء من ذلك، جاءت رسائل غير موجهة لأحد من ثلاثة عشر عضوًا في الكونجرس الأمريكي في الفترة من 25 مارس 2021 حتى 23 أبريل 2021 استخدمتها منظمة معارضة بحرينية، تضمنت معلومات وافتراءات مضللة وبعيدة عن الحقيقة حول وضع حقوق الإنسان، بناء على معلومات استقوها من تلك المنظمة.. وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن كيف سمح هؤلاء الأعضاء بالإساءة إلى مجلسهم بالسماح لهذه المنظمة أن تستغل أسماءهم ومواقعهم، ونشر رسائلهم على موقعها، وترجمتها إلى اللغة العربية لتحقيق أغراضها في محاولة تشويه ملف البحرين الحقوقي، الأمر الذي يعد بعيدا عن مدونة السلوك المهني، ما أثار الشكوك حول علاقة تلك المنظمة بهؤلاء النواب، فضلا عن الإساءة إلى دولة صديقة وحليفة.

 

وبقراءة الانتقادات التي تناولها هؤلاء النواب، نجد أنها تفتقر إلى المصداقية، فمن وجهة نظر عملية، فإن اعتماد النواب على معلومات تنقلها إليهم جهات معارضة أو معادية، أو تعتمد على تقارير لمنظمات مثل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش وغيرها، حيث إن هذه المنظمات تستقي معلوماتها من طرف واحد هو المعارضة، بخلاف النائب البرلماني الذي له منهجية مغايرة وطريقة عمل مختلفة تحكمها قواعد مدونة السلوك، والتي تفرض عليهم استقاء معلوماتهم من حكومتهم وسفاراتهم ومجلسهم وهي تصدقهم القول، هذا يالإضافة إلى ضرورة الاستماع إلى وجهة النظر الأخرى، والتي على أساسها بعد ذلك تصدر تقاريرهم، فقد جاءت انتقاداتهم فيما يتعلق بأوضاع السجون، عكس تقييم منظمة الصليب الأحمر الدولية التي وقعت مذكرة تفاهم مع وزارة الداخلية في ديسمبر2011؛ تسمح بموجبها للمنظمة بمراقبة وتقييم أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز، والتي كانت دومًا إيجابية. وعكس تقييم وفد من سفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن المعتمدين لدى البحرين للإجراءات والخدمات التي يتم تقديمها للنزلاء، والإجراءات الاحترازية ووصفها بالإيجابية أيضًا، حيث أكدوا توافق هذه الإجراءات مع القيم والمبادئ الإنسانية، وتطبيق معايير حقوق الإنسان المعتمدة من الأمم المتحدة.

 

وفيما يتعلق بالانتقادات الخاصة بحرية الرأي والتعبير، التي كفلها الميثاق الوطني والدستور، فقد تم توفير الآليات والقنوات الشرعية للتعبير السلمي عن الرأي، ومنها: السماح بتنظيم الندوات والمؤتمرات والمظاهرات والمحاضرات والحلقات النقاشية، والتي بلغت خلال الأعوام من (2001 وحتى 2020 نحو 5620)، أتيح فيها للجميع التعبير عن نفسه والإدلاء بآرائه، كما تم تنظيم 1589 اعتصامًا ومسيرة ومظاهرة منذ عام 2001 وحتى اليوم، فضلا عن إنشاء النقابات العمالية (79 نقابة)، ومنظمات المجتمع المدني (631). ووصل عدد المشتركين في مواقع التواصل الاجتماعي إلى ما يزيد على مليوني مشترك، والبحرين الرابعة عالميًّا في نسبة استخدام الإنترنت، وفقًا لتقرير التنافسية العالمية 2019.

 

وبالنسبة إلى التشكيك في أحكام القضاء، فإن المملكة تعتز بنزاهة واستقلالية السلطة القضائية، باعتبارها ضمانة أساسية لترسيخ العدالة وحماية الحقوق والحريات، وتوافر نظم عصرية للعدالة والإصلاح، مثل تطبيق نظام العقوبات البديلة، 2017، والذي سبقت المملكة الكثير من البلدان بتطبيقه وحققت بمقتضاه ارتقاء حقوقيا. ويخضع المتهمون لمحاكمات عادلة وفق المعايير الدولية، وتمر محاكمتهم بدرجات التقاضي المتعارف عليها دوليًّا بوجود المحامين والأهالي وممثلين لبعض السفارات ووسائل الإعلام.

 

وفيما يتعلق بحقوق الإنسان، فلدى البحرين مؤسسات وجمعيات ولجان تضمن حقوق الإنسان عددها (28) ما بين حكومية وبرلمانية وأهلية، من بينها: (المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان)، و(الأمانة العامة للتظلمات)، و(وحدة التحقيق الخاصة بسوء المعاملة التابعة لوزارة العدل)، و(مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين)، و(اللجنة التنسيقية العليا لحقوق الإنسان)، ولجنتا حقوق الإنسان في مجلسي الشورى والنواب.

 

وحول سحب جنسية بعض الأشخاص، فقانون الجنسية يجيز سحبها ممن يقوم بأعمال إرهابية أو يشجع عليها، أو ينضم إلى جماعات محظورة أو ينخرط بالخدمة العسكرية في دولة أجنبية من دون موافقة الحكومة، أو يساعد دولة معادية، أو جند الشباب وغرر بهم للذهاب إلى دول أخرى للتدريب على القيام بأعمال إرهابية، كما أن ما تقوم به البحرين لا يختلف عما تقوم به العديد من الدول الغربية، مثل بريطانيا، وأمريكا وفرنسا وألمانيا وأستراليا.

 

وعن حل جمعيات معارضة، فقد أجازت البحرين لأول مرة في منطقة الخليج منذ تولي جلالة الملك الأمانة عام 1999؛ إنشاء جمعيات سياسية «أحزاب» وصل عددها حتى اليوم إلى «16»، تضم شتى ألوان الطيف السياسي في المملكة، غير أنها تفعل ذلك ممن يخرج عن الهدف الذي أنشئت من أجله هذه الجمعيات.

 

أما عن الادعاء بأن البحرين أصبحت أقل أمنا، فقد حلت المملكة في المراتب الأولى عربيًا في مؤشر الدول الأكثر أمانًا بالعالم في 2020، حيث حلت في المرتبة الخامسة عربيًا، والـ22 عالميًا، وانخفض عدد العمليات الإرهابية حتى وصل صفرا عام 2020 وفقًا لتقرير الخارجية الأمريكية حول الإرهاب، ومعدلات الجريمة هي الأقل في العالم، كما أوضح تقرير السعادة العالمي لعام 2021 أنها احتلت المرتبة الـ35 عالميًا من بين 149 دولة، مع مجموع نقاط 6.174 من أصل 10، ومن ناحية السعادة الوطنية بين عامي 2018 و2020، تم تصنيف المملكة على أنها الأعلى في منطقة الخليج.

 

وفي الختام، نرى أن ممارسات هؤلاء النواب البعيدة عن المهنية وما زعموه في انتقاداتهم، أظهر جهلًا وربما تجاهلاً بما حققته البحرين من إنجازات في مجال حقوق الإنسان، في العقدين الأخيرين، الأمر الذي اعترف به المجتمع الدولي بانتخابها عام 2019 مدة ثلاث سنوات عضوًا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وقبل ذلك انتخابها لعضوية المجلس مرتين من قبل في عامي 2006 و2009. وربما سبب ذلك هو اعتمادهم على مزاعم وادعاءات منظمات معارضة تنفذ مخططات إيرانية إرهابية وتخريبية، وعدم التزامهم بمدونة السلوك التي تضبط أحكامهم.

 

وهنا نرى ضرورة أن نشير إلى أن عدد هؤلاء النواب الذي وجه انتقادات إلى البحرين قليل بالمقارنة مع إجمالي عدد النواب. ففي حالة الكونجرس الأمريكي (بغرفتيه النواب والشيوخ)، فإن عدد النواب المنتقدين كان 13 عضوا من جملة 535 عضوا أي بنسبة 2.4%، وفي حالة البرلمان البريطاني (بغرفتيه العموم واللوردات)، كان المنتقدون 18 من جملة 1440 عضوا، أي بنسبة 1%. أما البرلمان الإيطالي بغرفتيه (النواب والشيوخ)، فقد انتقد 4 من جملة 945 بنسبة 0.4% في حين أن البرلمان الأوروبي كان المنتقدون 12 من جملة 705، أي بنسبة 1.7...ومع ذلك فإن البحرين كبلد حضاري له تاريخ عريق تتعاطى مع هذه الانتقادات بجدية وتعتبرها تأكيد أهمية البحرين البلد الصغير في حجمه وعدد سكانه، الكبير في أهميته ومكانته على الساحة الإقليمية والدولية ولهذا تقوم بتوضيح أي لبس وترد على أي انتقاد.

{ انتهى  }
bottom of page