top of page

27/2/2021

دور روسيا والصين في مستقبل «الاتفاق النووي الإيراني»

في ظل تعثر الجهود المبذولة لإحياء «الاتفاق النووي الإيراني» لعام 2015، نظرًا إلى تعنت كلا الجانبين، «الولايات المتحدة وإيران»، تباينت الاستجابات الدولية للأطراف المعنية الرئيسية بشكل ملحوظ. وفي حين أن الأوروبيين أيدوا جهود كلا الطرفين لإعادة الانضمام إليها، تبنت كل من روسيا والصين نهجا أكثر تحفظًا حتى الآن، وخاصة أنهما اتبعا دبلوماسية تقوم على تحقيق مصالحهما المشتركة، وتعزيز علاقاتهما مع طهران منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية عام 2018، بناءً على سياسات «دونالد ترامب».

 

ولطالما كانت روسيا شريكًا لإيران في الأمور العسكرية والاستراتيجية، وتعاونت بشكل وثيق معها لإبقاء نظام الأسد في السلطة في سوريا. وفي حين أنها كانت أحد الموقعين الرئيسيين على الاتفاقية، دعمت باستمرار حجة إيران في خلافاتها مع الولايات المتحدة، وملأت جزءًا من فراغ السلطة الذي خلفه انسحاب أمريكا في الشرق الأوسط خلال السنوات العشر الماضية. وفي ضوء أن الإدارة الجديدة لـ«بايدن» تعد باتباع نهج أكثر صرامة ضد روسيا، فإن هذا بدوره يمكن أن يؤثر بشكل كبير على مقدار الدعم الذي تقدمه الأخيرة لمستقبل الاتفاقية.

 

ومثلما فعلت المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، شجبت كل من روسيا والصين علانية انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، لكن لا شك أنهما تقتنعان بأن الانسحاب قد زاد من تهميش الشراكة بين أوروبا والولايات المتحدة. وفي الوقت الحاضر، حافظت روسيا ظاهريًا على دعم الاتفاقية. ولاحظ «جورجيو كافيرو» و«أرمان محموديان»، من «المجلس الأطلسي»، أنه «في حقيقة الأمر قد تكون وجهات نظر روسيا أكثر تعقيدًا وتناقضًا، حيث تعمل في الوقت نفسه على إنجاح وإفشال جهود بايدن لإنقاذ الاتفاق».

 

وبينما لم تعرب روسيا عن تسرعها في مساعدة إدارة بايدن دبلوماسيًا على الصعيد العام -بصورة جزئية- بسبب تبني الحكومة الجديدة لنهج سياسي مناهض لموسكو بشدة بعد أربع سنوات من التساهل من جانب ترامب، دعت إلى العودة إلى الاتفاق النووي، وإن لم تكن هذه الدعوة مقدمة من أعلى مستويات التمثيل الحكومي. وفي الثالث من فبراير، كتب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة «ميخائيل أوليانوف» أنه «حان الوقت للولايات المتحدة وإيران لاتخاذ خطوات منسقة لاستعادة التنفيذ الكامل للاتفاق». وبالمثل، علق «مكسيم سوشكوف»، من «معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية»، بأن «روسيا تفضل عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاقية؛ لأنها كانت دائمًا طرفًا موثوقًا به فيها، ومؤيدًا للتفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني بالطريقة الدبلوماسية، وأيضًا لا تحبذ روسيا تضخم التوترات في المنطقة التي تعتقد أنها ستنجم عن حملة الضغط الأقصى».

 

وفي الواقع، قد يكون دور روسيا له تأثير كبير على مستقبل الاتفاق؛ لأنها أقرب قوة كبرى دبلوماسيا إلى طهران. وكتبت «آنا بورشفسكايا»، من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، في مجلة «ناشيونال إنترست»، أن «دورها سيكون حاسمًا في الوقت الحالي، إذ ساعدت البرنامج النووي الإيراني لسنوات، وعارضت العقوبات الصارمة منذ فترة طويلة على طهران، كما سعت إلى تخفيفها وتقليل خطر برنامجها النووي».

 

علاوة على ذلك، فإن قيمة الاتفاق بالنسبة إلى روسيا تعتبر «مدفوعة بالمصلحة الذاتية، نظرًا إلى أن تعزيز تعاونها بشأن الاتفاق لا تحبذه واشنطن، وفي المقابل يمثل وسيلة لتوسيع العلاقات مع إيران، وانتزاع التنازلات من واشنطن، وتعزيز مكانة روسيا كقوة إقليمية موازنة للغرب». ومن ثمّ، فمن المنطقي أنه إذا كانت تحقق هذه الشروط حاليًا من دون أن تكون واشنطن جزءًا من الاتفاق، فليس هناك سبب وجيه يدفع موسكو إلى الضغط من أجل إحيائه.

 

وبالنسبة إلى «بورشفسكايا»، تعني هذه الديناميكية أن موسكو تواصل -الآن، كما في الماضي- القيام بلعبة مزدوجة مع الغرب، حيث تعمل كشريك جاهز وفي ذات الوقت محاميا عن إيران. وبينما مثلت عاملا لإثارة التوترات في أوروبا الشرقية وسوريا، فإن الصمت النسبي بشأن القضية النووية الإيرانية واضح؛ وكما أوضح «بيتر كورتونوف»، من «مجلس الشؤون الدولية الروسي»، فإن «روسيا لا تزال تتوقع بشكل كبير من واشنطن أن تكون أول من يمد يدها لإيران لإصلاح ما حاولت الإدارة السابقة تدميره».

 

ومنذ انهيار «الاتفاق النووي» عام 2018، عززت «موسكو» تعاونها العسكري والأمني مع طهران في الوقت الذي تواصل فيه الأخيرة السعي للحصول على أسلحة نووية في انتهاك صريح للاتفاق. وفي نهاية يناير 2021، التقى وزير الخارجية الروسي «سيرجي لافروف» نظيره الإيراني لتوقيع اتفاقية أمنية أخرى تعتبر، بحسب «سوشكوف»، «أن التعاون الروسي الإيراني على المسار الصحيح للدفاع ضد ما يعتبره الطرفان عملا استخباراتيا، وتهديدات إلكترونية قادمة من الولايات المتحدة».

 

بالإضافة إلى ذلك، تعاون البلدان في منتصف فبراير في مناورات بحرية في المحيط الهندي، استمرارا لذات التدريبات البحرية والبرية -التي شاركت فيها الصين أيضًا- والتي تجري في خليج عمان وفي روسيا. وفضلا عن ذلك، تنظر إيران إلى روسيا كمصدر مستقبلي لمبيعات الأسلحة. وردا على رفع عقوبات الأسلحة التي فرضتها الأمم المتحدة عليها، قال علي أصغر حاجي، كبير مساعدي وزير الخارجية الإيراني: «نحن في تعاون عسكري، وعندما يتم رفع حظر الأسلحة المفروض علينا، ستكون روسيا من بين الدول التي يمكننا شراء الأسلحة منها». كما زاد التعاون المدني بين الطرفين، بشكل ملحوظ مؤخرًا على الرغم من الأعمال الخبيثة لإيران. وبعد رفض استخدام لقاحات فيروس كورونا من المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة، تبنت إيران لقاح «سبوتنيك V»، الروسي الذي تزعم روسيا نجاحه بنسبة 91.6%».

 

وفيما يتعلق بالموقف الصيني، تبنت «بكين» من نواح عديدة خطا مشابها لموسكو مدعية علنًا دعم اتفاق 2015 وإحياءه، في الوقت الذي أبقت على تعاملها مع إيران دبلوماسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. ووفقًا لتقرير «المجلس الأطلسي»، فإن «بكين هي شريان الحياة لطهران للتحايل على العقوبات النفطية لسنوات، بسبب مشترياتها النفطية الكبيرة والاتفاقيات الأمنية معها». إضافة إلى ذلك، كان هناك أيضًا تعاون بين إيران وكوريا الشمالية في تطوير الصواريخ الباليستية. وأظهر تقرير قُدم إلى مجلس الأمن من مجموعة من الخبراء بالتفصيل الأنشطة غير القانونية بين الدولتين، وبشكل خاص كيف تلقى مركز «الشهيد الحاج علي موحد للأبحاث» الإيراني «دعمًا ومساعدة» من متخصصي الصواريخ الكوريين الشماليين، وجرى نقل شحنات من الخامات فضلا عن مشاركة خبراء كوريين.

 

وفي هذا الإطار، إذا كانت كل من روسيا والصين غير متحمستين بالفعل لإحياء «الاتفاق النووي» مجددًا، فإن السؤال هنا هو: ما الذي ستفعله إدارة «بايدن» للتغلب على ذلك. وأوضحت «بورشفسكايا» أن على الإدارة الأمريكية «الاستغناء عن مفاهيمها القديمة في تعاملها مع روسيا. وبدلاً من ذلك «لا بد لها من التركيز على بناء استراتيجية موحدة تعزز الموقف التفاوضي لواشنطن أمام العراقيل التي يختلقها الكرملين». وفي غضون ذلك، كتبت «بيثاني ألين-إبراهيميان» في موقع «أكسيوس» أن المبعوث الأمريكي الخاص الجديد إلى إيران، «روبرت مالي»، أجرى «تبادلا لوجهات النظر حول القضية النووية الإيرانية مع المسؤولين الصينيين حول كسب المزيد من الدعم من بكين لإجبار إيران على الالتزام بتعهداتها السابقة». ومع ذلك، أوضحت «إبراهيميان» أن «المحصلة النهائية أنه «طالما أن الصين تمنح إيران شريانًا اقتصاديًا نابضًا بالحياة، فسيكون من الأسهل على الأخيرة تحمل الضغوط الغربية».

 

وبطبيعة الحال، ستظل التعليقات بشأن النوايا الروسية والصينية تجاه «الاتفاق النووي» موضع نقاش طالما استمرت طهران في إنكار أي احتمال للعودة إليه من تلقاء نفسها أو لضغوط من واشنطن. وفي الأسابيع الأخيرة، لم تفعل شيئًا يذكر لتخفيف التوترات مع البيت الأبيض مع تولي بايدن مقاليد الأمور، بما في ذلك البدء في إنتاج معدن اليورانيوم في انتهاك صارخ لشروط الاتفاق، وهو الأمر الذي قوبل بانتقادات شديدة من جانب كل من الولايات المتحدة وأوروبا». وكتب «ديفيد أكس» في مجلة «فوربس» أن «نقاط الانطلاق باتت متاحة أمام طهران لتجاوز العتبة النووية، والانضمام إلى كوريا الشمالية كدولة مارقة مسلحة نوويًا».

 

وفي السياق ذاته، أشار «عومير كرمي»، من «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، إلى أن تصريحات القادة الإيرانيين «ليست سوى جزء من حملة لإظهار أنهم لن يصلوا إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف واستكانة»، لكن إذا استمرت طهران في منع مسؤولي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» من تقييم قدراتها النووية من خلال وقف التزامها بالبروتوكول الإضافي للاتفاق النووي، فإن هذا قد يتسبب في إلحاق بالغ الضرر بمدى الاستفادة والمزايا التي قد تتوقعها، لكون الأمر سيؤدي إلى «استفزاز الدول الغربية وربما تخلي كل من روسيا والصين عنها». ووفقًا لـ«لورا روكوود» المسؤولة السابقة بالوكالة -والتي قامت بصياغة قواعد التفتيش الصارمة التي تلتزم بها الدول الأخرى، والتي من المفترض أن تتصرف طهران بموجبها- فإن «وقف العمل بالبروتوكول الإضافي لن يجعل إيران أكثر أمنًا ولن يترك لإدارة بايدن العديد من الخيارات، بمعنى أنه «يمكن أن تخرج الأشياء عن نطاق السيطرة بسرعة غير مسبوقة».

 

ولعل صمت كل من روسيا والصين حيال هذه القضية يلقي الضوء على الجهود غير الفعالة من جانب القوى الأوروبية في هذا الصدد، والتي كانت ترفع أصواتها ودعواتها للعودة إلى المفاوضات ولكن تجاهلتها كل من واشنطن وطهران بصورة هائلة في الماضي. وفي 17 فبراير، أجرت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» مكالمة هاتفية مع الرئيس الإيراني «حسن روحاني»، أكدت فيها مجددًا «قلق» ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا حيال عدم الالتزام ببنود الاتفاق، في حين أشارت إلى أن الوقت قد حان «لإبداء إشارات إيجابية تخلق المزيد من الثقة وتفتح الباب أمام فرص الحلول الدبلوماسية». ومع ذلك، فإنه لكي تحدث تلك الإشارات، يجب أن تأتي من قبل طهران بدلاً من لندن أو باريس أو برلين.

 

على العموم، يتضح من تصريحات وأفعال كل من روسيا والصين خلال الأزمة النووية الإيرانية أنهما تنظران إلى مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران في الأيام المقبلة، والتي لن تكون عسكرية، إذ ستدعمان الأخيرة ماليا واستراتيجيا على حد سواء. ولعل ما سيغير من موقفهما هو كيفية تأثير التدابير التي سيتخذها بايدن تجاه إيران وسياساتها مستقبلاً، ولا شك أن الضغوط التي تمارسها واشنطن ضد موسكو في الأشهر المقبلة قد تكون مؤثرة في كيفية تأرجح الدعم الروسي لصالح أو ضد إبرام اتفاق نووي جديد.

 

ومع ذلك، وكما يتضح من المسار الحالي للأحداث، يبقى واضحًا أن إيران وحدها لا تريد إجراء تغييرات في سلوكياتها العدوانية وتريد تحقيق رغبتها في الحصول على أسلحة نووية متطورة. وبالتالي، يجب استنتاج أن «روسيا ستجد طريقة للتلاعب بملف الاتفاق النووي لصالحها بغضّ النظر عن الطريقة التي قد يتعامل بها الرئيس الأمريكي السادس والأربعون مع هذا الاتفاق».

{ انتهى  }
bottom of page