top of page
29/1/2021

قراءة في حصاد عهد بومبيو في وزارة الخارجية الأمريكية

كانت الإدارة الجمهورية للرئيس الخامس والأربعين «دونالد ترامب» من أكثر الفترات إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي، عزز من ذلك التحول المثير للقلق للأحداث في واشنطن مؤخرًا، بدافع من رفضه قبول هزيمته في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، ولعل أحد العناصر الرئيسية التي لا شك فيها في هذا الإرث كان سياسات وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو» المثيرة للانقسام.

 

وبتوليه منصبه عام 2018، بعد أن قاد لفترة وجيزة وكالة المخابرات المركزية، وقبلها كان عضوًا في الكونجرس عن ولاية كنساس، قام «بومبيو» على مدار السنوات التالية بتحويل نهجه بالفعل ليعكس نهج إدارة «ترامب». وعلى هذا النحو أصبحت الاتهامات والتهديدات الوسيلة الطبيعية التي يتفاعل بها رئيس الدبلوماسية الأمريكية مع العالم من الحلفاء والأعداء على حد سواء. ويظهر هذا الإرث المثير للاضطرابات، خاصة مع استمرار الشائعات بأنه سيحاول الترشح للرئاسة في عام 2024، على خلفية الدعم المسيحي الإنجيلي القوي الذي حصل عليه خلال السنوات الأربع الماضية.

 

وبالنظر إلى منصبه كأحد كبار المسؤولين والمستشارين الحكوميين للرئيس «ترامب»، فليس من المستغرب أن يلحقه العديد من الانتقادات الموجهة ضد رئيسه. ففي ديسمبر 2020، وصفه «بريت بروين»، من موقع «بيزنس إنسايدر»، بأنه «أكثر الوزراء خدمةً لذاته في تاريخ بلادنا». كما وصفت «تريسي ويلكنسون»، في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، بأنه «أكثر وزراء الحكومة اتباعًا لسياسات الرئيس ترامب».

 

وفي الواقع، فإن ميله إلى سرد إنجازات حكومته التي وافقت عليها بنفسها يعد مصدر سخرية. وأشار «جيفري لويس»، في مجلة «فورين بوليسي» إلى أنه في حسابه على تويتر في الأسابيع الأخيرة كان «في حالة اضطراب، حيث كان يروج للإنجازات التي حدثت في فترة ولايته للخارجية»، مضيفا أن «الإجراءات الملموسة التي يذكرها تعتبر إجراءات سلبية إلى حد كبير، كالانسحاب من الاتفاقيات الدولية، مثل معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى، واتفاقية باريس بشأن تغير المناخ». وتأكيدًا لهذا الرأي، انتقدت صحيفة «واشنطن بوست»، «انخراطه في حملة غير لائقة من الاستفزاز وهو في طريقه لترك منصبه، حيث يمكن أن يؤدي نهجه الذي يخدم مصالحه الشخصية إلى اتجاه البلاد نحو العنف».

 

ونظرًا إلى تمسكه بتنفيذ سياسات ترامب الخارجية، نال «بومبيو» الكثير من الانتقادات، حيث عارض بشدة بكين، وكان من بين أكثر المؤيدين لإسرائيل، بالإضافة إلى دعمه للتفاوض مع زعيم كوريا الشمالية «كيم جونج أون». وكما هو الحال مع الرئيس، يجب على بومبيو أيضا أن يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن تدهور جهود السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين خلال السنوات الأربع الماضية.

 

وعليه، أوضح «إيشان ثارور»، في صحيفة «واشنطن بوست»، أنه «ترك وراءه إرثًا من الأزمات والسياسات الآيديولوجية، وعددًا لا يحصى من حلفاء الولايات المتحدة الغاضبين والساخطين». وأضاف أيضًا أنه «يترك المنصب بعد أن أضعف الإدارة الأمريكية ووزارة الخارجية بشكل لا رجعة فيه، وأن الشيء الوحيد الذي عززه هو رغبته في البحث عن منصب أعلى». وبالمثل، خلص «ديفيد سانجر»، في صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى أن «حلفاء الولايات المتحدة الذين شعروا بالقلق لفترة طويلة من تهديداته يعتقدون أنه أحدث أكبر ضرر بعيد المدى منذ عقود بالدور التقليدي لأمريكا كنموذج للديمقراطية».

 

علاوة على ذلك، فإن جهوده لوضع العوائق أمام أهداف السياسة الخارجية المستقبلية لإدارة بايدن قد أكسبته الكثير من الانتقادات. وصرح «أنتوني كوردسمان» من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، بأن «هذه الإدارة ستخرج بكل تأكيد بدوي هائل». ولاحظ «ثارور»، أنه على الرغم من أن «الإدارة القادمة قد تكون قادرة على وقف بعض قرارات ترامب أو الرد على بعضها الآخر، إلا أن تصرفات الجمهوريين تزيد من المخاطر وتهيئ الوضع في الداخل لمعارك سياسية مريرة». وفي السياق ذاته، وصف وزير الخارجية البريطاني الأسبق، «ديفيد ميليباند»، تصرفات بومبيو الأخيرة بشأن كوبا واليمن بأنها «تخريب دبلوماسي محض».

 

بالإضافة إلى ذلك، اتصفت قيادة «بومبيو» بالعمل على إضعاف التماسك الداخلي لوزارة الخارجية خلال فترة ولايته. وأوضح «سانجر»، أنه «يغادر الوزارة وسط تعبير العديد من دبلوماسييها وموظفيها عن غضبهم من سلوكه»، ولا سيما عندما فشل في الوقوف في وجه ترامب لمنع المتظاهرين من اقتحام مبنى الكابيتول.

 

من ناحية أخرى، فإنه في ظل قيادته للخارجية أصبحت الإدارة مسيسة بشكل مكثف، خاصة أن ترامب حاول بكل الوسائل تقوية نفوذه سياسيًا. وكجزء من ذلك، سهّل تعاملات المحامي الشخصي لترامب ومستشاره «رودي جولياني» مع أوكرانيا في محاولة لاكتشاف أسرار تتعلق بجو بايدن، وهو ما قال عنه «ستيفن سيستانوفيتش»، من «مجلس العلاقات الخارجية»، إنه «سيكون دائمًا أكثر اللحظات المخزية لبومبيو». كما ظهر هذا الانقسام جليا داخل الوزارة عندما أرسل كبار مسؤوليها برقية إليه لحثه على الاستناد إلى التعديل الخامس والعشرين لدستور الولايات المتحدة وعزل ترامب من السلطة. وكما قال «روبي جرامر» في مجلة «فورين بوليسي»، فإن البرقية انتقدت وزير الخارجية أيضًا بشكل مباشر «لفشله في إصدار بيان يعترف فيه بشكل قاطع بأن الرئيس بايدن فاز في انتخابات عام 2020»، وأن ما يصل إلى 175 من كبار مسؤولي الوزارة قد وقعوا عليها».

 

وفي إطار هذا الواقع، وصف «جاكسون ديل» بومبيو في صحيفة «واشنطن بوست» في ديسمبر 2020 بأنه «أسوأ وزير خارجية في التاريخ، وأن توجيهه لسياسات ترامب أدى إلى أضرار دبلوماسية ستعاني منها الولايات المتحدة لعقود، ولا سيما في العلاقات مع أقرب حلفائها». إضافة إلى ذلك قال «لويس»: إن «جهوده السابقة والحالية للدفاع عن كل من إرث ترامب وإرثه هي عبارة عن فوضى متضخمة من المديح الذليل لترامب، والشعارات الواهية، واجتزاء الحقائق، وفي الوقت ذاته انعكاس عادل للرجل نفسه بكل سلبياته».

 

وربما يكون المؤشر النهائي لتراجع نفوذه كوزير للخارجية في الأسابيع الأخيرة هو إلغاء رحلته الدبلوماسية إلى أوروبا، لأن نظراءه الأوروبيين لا يريدون مقابلته، والذي كان مقررا أن يلتقي فيها الأمين العام لحلف الناتو، «ينس ستولتنبرج»، ووزيرة الخارجية البلجيكية «صوفي ويلمز»، التي صرحت بأن حكومتها تعول على إدارة بايدن لإعادة الوحدة والاستقرار. حيث ذكرت شبكة «سي إن إن» أن الإلغاء ارتبط برفض مسؤولي الحكومات الأوروبية لقاءه بسبب خرق مثيري الشغب لمبنى الكابيتول ودور ترامب في تأجيج العنف. وأشار «أوليفر أوكونيل» في صحيفة «الإندبندنت»، إلى أن هذا «الازدراء غير المسبوق تمثل في النهاية في وصف وزير خارجية لوكسمبورج، «جان أسيلبورن»، ترامب بأنه مجرم ينبغي عزله من منصبه». و«أنه من غير المعقول لقاء وزير خارجيته»، واعتبر بروين أنه «أمر غير مسبوق ألاّ يرحب بوزير الخارجية الأمريكية في نهاية ولايته وهذا يظهر المدى الذي نبذ فيه نفسه».

 

وهناك عنصر آخر يقودنا لفهم مدى ضآلة رصيد إنجازات «بومبيو»، وقلة خبراته طوال توليه حقيبة الخارجية، ألا وهو الاتجاه لتعيين «أنتوني بلينكين»، الدبلوماسي المخضرم والمستشار المقرب من بايدن، لكونه يمتلك شخصية مختلفة تمامًا عن سلفه. وفي حين سيُذكر «بومبيو»، بأسلوب المواجهة الصارخ، فإن بديله المحتمل البالغ من العمر 58 عامًا سيتبنى لهجة أكثر هدوءًا ويتمتع بخبرة سابقة بمهام دوره. وكتبت صحيفة «نيويورك تايمز»، بعد تعيين «بلينكين»: «من المتوقع أن تسهم خبرته الواسعة في السياسة الخارجية في تهدئة الدبلوماسيين الأمريكيين والقادة العالميين على حد سواء بعد 4 سنوات من استراتيجيات إدارة ترامب المرتدة والمبالغة فى القومية».

 

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، أوضحت صحيفة «واشنطن بوست» أنه «إذا تحرك بايدن ووزير خارجيته القادم بلينكين لعكس سياسات أسلافهما، فإن بومبيو، الذي لم يخف أبدًا طموحاته في الوصول لمقعد الرئاسة، سوف يندفع لاستغلال ذلك الأمر لتسجيل مكاسب سياسية لصالحه ولو على حساب المصالح الأمريكية». وهو الأمر الذي انتقدته صحيفة «واشنطن بوست» بشدة بقولها إن مثل «هذا التكتيك المستقبلي المرجح اعتماده باعتباره استراتيجية رخيصة وساخرة، تؤكد صحة الحكم الذي من المرجح أن يصدره التاريخ على بومبيو كأحد أسوأ وزراء الخارجية على الإطلاق».

 

على العموم، تثير مثل هذه الاستنتاجات بشأن تناقص نفوذ «بومبيو»، وإرثه الهزيل المزيد من التساؤلات حول ما هو قادم بالنسبة له في ظل عدم تجاهل الشائعات حول محاولته الترشح للرئاسة الأمريكية في عام 2024، وكتب «بريت بروين» من مجلة «بزنس إنسايدر»، أنه «استخدم بلا خجل دوره كوزير للخارجية، ليس فقط لتأكيد مدى أحقيته في إدارة تلك الحقيبة، ولكن لبناء حملة دعائية ستخدم مصالحه في المستقبل». ومع ذلك، ذكرت «تريسي ويلكينسون»، في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» أن «ترامب من خلال تمسكه بإمكانية ترشحه مجددًا، فإنه يقطع الطريق على البدائل الأخرى المحتملة»، مما يعني أن خطط بومبيو لخوض الانتخابات الرئاسية يمكن إجهاضها بالكامل حتى قبل تشكلها».

 

وأخيرا، يبقى أن نرى ما إذا كان المرؤوس المخلص لترامب سيُكافأ في المستقبل على دفاعاته عن رئيس منتهية ولايته، أم أنه بدلاً من ذلك سيتجاهله زملاؤه الجمهوريون كتذكير مؤسف برئاسة مدمرة ومؤسفة للغاية. ومع ذلك، فإن دوره المحتمل ليكون مقاولا دفاعيا أمريكيا رئيسيا أو قد يمارس دورا بارزا في أي من مراكز الأبحاث الرائدة ذات الميول المحافظة من شأنه أن يمثل وجهة مؤقتة محتملة لسياسي سيترك منصبه مثقلاً بمهام كبرى تتمثل في محاولة إعادة بناء سمعته وفصلها عن الإخفاقات العديدة لدونالد ترامب.

{ انتهى  }
bottom of page