top of page
23/1/2021

مؤشرات تعافى سوق النفط العالمية خلال جائحة كورونا

أحدث تفشي جائحة فيروس كورونا في مارس2020 صدمة هائلة على مستوى صناعة الطاقة العالمية، ما أدى إلى انخفاض حاد وسريع في الطلب على واردات النفط الخام والغاز الطبيعي وأشكال أخرى من الطاقة، وهو ما أثر بشكل كبير على الشعوب والحكومات في جميع أنحاء العالم، وخاصة البلدان والمناطق التي تعتمد على صادرات النفط في اقتصادها مثل منطقة الخليج.

 

وفي أواخر أبريل 2020، بلغ الانكماش الاقتصادي أدنى مستوياته، إذ انخفضت قيمة النفط الأمريكي، «خام غرب تكساس الوسيط»، بأكثر من 300% ليصل إلى 40 دولارًا تحت الصفر لبرميل النفط. ولمواجهة عدم اليقين المستمر في صناعة الطاقة، اتُخذت إجراءات جذرية من خلال اتفاقية (أوبك+)، حيث وافقت الدول الأعضاء على خفض إنتاجها من النفط الخام لتخفيف الضغط على السوق العالمية. ونتيجة لهذا، انتعشت أسعار النفط العالمية بشكل ملحوظ لتقترب بشكل كبير من الأسعار الطبيعية، وهو الأمر الذي وصفه «مايلز ماكورميك» في صحيفة «فاينانشال تايمز» بـ«الانتعاش المذهل لخام غرب تكساس الوسيط».

 

وعلى الرغم من أن أسعار النفط ظلت في مطلع عام 2021 أقل مما كانت عليه قبل بداية الجائحة، فإنها تمثل انتعاشة قوية، نظرًا إلى استمرار الطلب على نحو أقل مما كان متوقعًا في أشهر الشتاء. وبشكل خاص، شهد الأسبوع الأول من يناير 2021 فترة ملحوظة لتعافي الأسعار، وارتفع سعر الخام الأمريكي فوق مستوى 50 دولارًا للبرميل للمرة الأولى منذ بداية الجائحة، كما ارتفع خام «برنت» إلى أعلى من 53 دولارًا. وفي الثامن من يناير، ارتفع خام برنت مرة أخرى إلى ما يزيد على 55 دولارًا، للمرة الأولى منذ فبراير 2020. وفي هذا الصدد، أوضح «أندريس جويرا لوز»، من وكالة «بلومبرج»، أنه «نتيجة آمال الحصول على لقاحات فيروس كورونا وما قد يسببه من انتعاش للاقتصاد العالمي بعد الأشهر الماضية الصعبة ارتفع خام برنت». كما توقع المحللون في شركة «ستاندرد تشارترد» أيضًا أن يصل متوسط أسعار خام غرب تكساس الوسيط إلى 49 دولارًا للبرميل في عام 2021».

 

وعلى المدى القصير، قد يكون سبب زيادة الأسعار في أوائل عام 2021 الفترة الحادة من الطقس البارد في شمال شرق آسيا. وعلق «جو والاس»، من صحيفة «وول ستريت جورنال»، بأن «المُصدّرين يعملون بكامل طاقتهم لشحن فائض الغاز في أمريكا إلى آسيا والاستفادة من الأسعار المرتفعة بشكل ملحوظ في المنطقة». وفي الخليج، كانت هناك علامات واعدة على تعافي إنتاج النفط، إذ رفعت كل من العراق والإمارات والكويت أسعار صادراتها النفطية المستقبلية إلى آسيا. ومن المقرر أن يستفيد العراق أيضا من زيادة قدرها مليارا دولار في مبيعاته النفطية، في ظل قيام شركة صينية بشراء الصادرات المستقبلية مُقدمًا. وبالنظر إلى أن بغداد هي ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، بما يمثل أكثر من 90% من ميزانيتها؛ فإن أي زيادة في المبيعات ستؤدي إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية عليها.

 

وبشكل عام، يرجع السبب الرئيسي وراء التعافي الأخير في أسعار النفط الخام إلى القرار الذي اتخذته السعودية بخفض إنتاجها في المستقبل القريب من أجل دعم الأسعار، وخاصة وسط ظهور مخاوف جديدة بسبب موجة متجددة من عمليات الإغلاق والقيود المفروضة على السفر في الاقتصادات الكبرى بدول أوروبا الغربية. وأوضحت صحيفة «الجارديان»، أن «كوفيد19 ليس المسؤول بشكل مباشر عن ضربات السوق التي لحقت بأكبر الدول المنتجة للنفط في العالم». وشرح «ماكورميك» أن زيادة الأسعار في أمريكا جاءت «مدفوعة بوعد الرياض بخفض كبير للإنتاج، وخاصة مع ما يواجهه الوقود الصخري من صعوبات». وبالنسبة إليه، تسبب التعهد بخفض الإنتاج بمقدار مليون برميل أخرى يوميًا خلال فبراير ومارس في دفع سعر الخام الأمريكي إلى ما يزيد على50 دولارًا.

 

وبالموافقة على هذا التقييم، أشار «بجورنار تونهاوجين»، رئيس أسواق النفط في «ريستاد إنريجي»، إلى أن الاتفاق المفاجئ، الذي أبرمته الرياض وأوبك لخفض مخرجات الإنتاج، خلق حالة من التفاؤل بالنسبة لتعافي أسعار النفط». وبالفعل، كان هذا الإعلان وحده مسؤولاً عن ارتفاع سعر بيع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 5.2% وخام برنت بنسبة 4.9%. وصرح «بيل أوجرادي»، من شركة «كونفلوانس»، الأمريكية، بأن «قرار السعودية كان صفقة كبيرة. ومن الواضح أن الحفاظ على سعر النفط كان أمرًا بالغ الأهمية لهم، بحيث سمحوا للآخرين بالاستفادة من أجل تحقيق ذلك». إضافة إلى ذلك، أوضح «كريستيان مالك»، من مجموعة «جي بي مورغان»، أن «التخفيض الصغير الآن ليس مشكلة كبيرة»، وهو بمثابة «ألم بسيط لجني مكاسب هائلة لاحقًا».

 

وعلى الرغم من ذلك، قوبلت الزيادات الأخيرة في الأسعار بتفاؤل حذر من المحللين والخبراء، وظل الكثيرون منهم يدركون جيدًا أن هناك تحديات ستبقى قبل أن تستعيد صناعة الطاقة العالمية حالة ما قبل الجائحة. ولاحظت صحيفة «الجارديان» أنه في حين أن «الاقتصادات الغربية الكبرى قد تعود إلى إجراءات الإغلاق لعام 2020، فإن سوق النفط العالمي يرتفع إلى مستويات عالية لم تشهدها منذ ما قبل فرض قيود جائحة كورونا على أوروبا».

 

علاوة على ذلك، يظل من المعلوم أن أسعار النفط لا تزال عرضة لتقلبات الأسعار الرئيسية. وفي الواقع، تراجعت هذه الأسعار بشكل مؤقت في منتصف ديسمبر مع اكتشاف سلالات جديدة من فيروس كورونا، جراء انخفاض قيمة كل من خام «برنت»، و«غرب تكساس الوسيط» بأكثر من 2.5% في يوم واحد». وفي ذلك الوقت، صرح «نوربرت روكر»، من بنك «جوليوس باير»، السويسري، بأن «السلالات الجديدة للفيروس والقيود الجديدة على السفر زادت من حدة القلق مرة أخرى، فيما لا تزال العودة إلى الوضع الطبيعي أمرا غير متوقع في الوقت الراهن». وبالمثل، علق «سكوت شيفيلد» من شركة «بايونير ناتشورال ريسورسز»،ب أنه «في حين من الجيد أن يكون السعر أعلى من 50 دولارًا للبرميل، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تعود الحفارات إلى العمل». وأوضح «يوجين فاينبرج»، محلل سوق النفط لدى «كومرتس بنك»، أن «القلق المتجدد بشأن الأعداد الكبيرة من حالات الإصابة بكورونا، والمزيد من القيود على التنقل والحركة، وقوة الدولار الأمريكي، تولد المزيد من الضغوط على عمليات البيع للذهب الأسود».

 

وعليه، كتب كل من «أنجلي رافال»، و«ديفيد شيبارد»، في صحيفة «الفاينانشيال تايمز»، أن «طرح اللقاحات على الصعيد العالمي أدى إلى زيادة المشاعر الإيجابية ودفع الأسعار إلى ما فوق 50 دولارًا، لكن تزايد الإصابات في دول مثل المملكة المتحدة أدى إلى فرض قيود حكومية جديدة». بالإضافة إلى ذلك، حذرت «باربرا لامبرخت» من مصرف «كومرتس بنك»الألماني من أن «معدلات الإصابة لا تزال مرتفعة في البلدان الصناعية الغربية، ما يعني أنه سيتعين تمديد الإغلاق في العديد من الأماكن»، وأن «البداية المزدهرة خلال العام الجاري في أسواق النفط قد تتعثر مجددًا».

 

وفي هذا الصدد، أوضح «سيباستيان كاستيلير»، من موقع «المونيتور»، أن «العودة إلى الحياة الطبيعية للسوق قد تستغرق حتى منتصف عام 2021، حيث لا يزال هناك المزيد من الوقت لتطعيم الكثيرين، ولعل ما يشير إلى احتمالية حدوث ذلك هو ظهور المزيد من السلالات الجديدة الأكثر عدوى لفيروس كورونا». وفي ضوء ذلك، توقعت «وكالة الطاقة الدولية» أن يرتفع الطلب على الخام العام المقبل بنحو 6 ملايين برميل يوميا إلى 96.9 مليون برميل يوميا، وهو الرقم الذي يظل دون مستويات ما قبل الجائحة، وبالتحديد في 2019 والبالغة نحو 100 مليون برميل يوميا.

 

وفي الوقت الحاضر، برزت قضية أخرى قد تكون مرتبطة بالتداعيات الناتجة عن التوترات المتزايدة بين واشنطن وطهران في الأيام الأخيرة من رئاسة دونالد ترامب، وبالأخص في مضيق هرمز. ولعل أحد الأمثلة على هذه التوترات ما حدث من احتجاز السلطات الإيرانية لناقلة ترفع علم كوريا الجنوبية بدعوى تلويثها للبيئة في منطقة الخليج. وعلى الرغم من أن طهران بررت اعتراضها بأن الناقلة كانت تنتهك قوانين البيئة البحرية فإن هذه الخطوة لا تزال تثير إدانة دولية، لأسباب ليس أقلها أن إيران سبق أن حثت كوريا الجنوبية على الإفراج عن 7 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة لديها.

 

من جانبهم، أشار كل من «فيريتي راتكليف»، و«جوليان لي»، و«خافيير بلاس»، من وكالة «بلومبرج»، إلى أن «هذه الاحتجازات باتت تكتيكا دائما لدى لطهران؛ إذ استهدفت الكثير من السفن التجارية التي تعبر عبر مضيق هرمز عدة مرات منذ أوائل عام 2019 وسط تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وحلفائها».

 

على العموم، تعكس مسألة تعافي أسعار النفط من أدنى مستوياتها التاريخية في أبريل 2020 إلى سعر يتجاوز 50 دولارًا للبرميل في يناير 2021، مدى قوة قطاع الطاقة العالمي حتى في ظل أكثر الظروف الاقتصادية المتدهورة، وهو الأمر الذي كان للمملكة العربية السعودية دور في السماح بحدوثه، من خلال تقليص إنتاجها من النفط الخام طواعية فترة من الوقت لدعم السوق العالمي.

 

وعلى الرغم من استمرار التوقعات الإيجابية في أسواق النفط العالمية لا تزال هناك حالة من عدم اليقين لسيناريوهات مستقبل الاقتصاد العالمي حتى نهاية العامين الحالي والمقبل بسبب استمرار الحاجة إلى تطعيم ملايين الأشخاص، وكذلك منع انتشار سلالات أو طفرات جديدة لفيروس كورونا.

{ انتهى  }
bottom of page