top of page
28/11/2020

هل توجه إدارة ترامب ضربة إلى إيران؟

تسمى الفترة المتبقية من حكم رئيس الولايات المتحدة الحالي دونالد ترامب بعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية بفترة «البطة العرجاء»، التي عليه أن يمارس خلالها عادة نشاطًا سياسيًّا أقل مما كان عليه قبل الهزيمة، أي عدم اتخاذ أي قرارات سياسية رئيسية تنفيذًا لرغبات الناخبين للرئيس الجديد؛ لأن هذا هو العُرف المتبع في السياسة الأمريكية، لكن في حالة دونالد ترامب، فإن الأمر مختلف، وخاصةً مع استمراره في التشكيك في نتيجة الانتخابات الرئاسية، وهو ما يتسبب في قلق على مستوى أمريكي ودولي، وخاصة أن هناك من يتوقع أنه قد يتخذ قرارات سياسية رئيسية خطيرة قبل تسليمه السلطة يوم 20 يناير 2021.

 

ويُستدَل على ذلك من استبعاد عدد من المسؤولين المهمين ممن يعتبرهم غير موالين له أو يعارضون سياسته، منهم وزير الدفاع واستبداله بآخر موال جديد، الذي أعلن أن الإدارة الأمريكية ستسحب المزيد من القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق، وهي خطوة فسرها العديد من المحللين بأنها تفتح الباب لشن ضربات جوية على أهداف في إيران. وأن مثل هذه الإجراءات من قِبَل رئيس تم التصويت على خروجه من المنصب يعتبر إجراء غير مسبوق، وفق العديد من التحليلات والتعليقات السلبية تجاه مثل هذا السلوك.

 

وقد أثارت صحيفة نيويورك تايمز تساؤلات عن احتمال وقوع غارة جوية ضد إيران بهدف زيادة تسميم العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران قبل أن يتولى جو بايدن الرئاسة، وبالتالي سيحد هذا من احتمال عودة الولايات المتحدة إلى العمل بالاتفاق النووي مع إيران الموقَّع عام 2015. وقد علق فيليب جوردون، المساعد الخاص السابق لباراك أوباما في البيت الأبيض، قائلًا إن إدارة ترامب «تبذل قصارى جهدها لتجعل من المستحيل على بايدن تنفيذ سياسته تجاه إيران».

 

وقد ذكرت الصحيفة أيضًا «أن ترامب سأل كبار مستشاريه عما إذا كانت لديه خيارات لاتخاذ إجراءات ضد موقع نووي رئيسي في إيران». وردًّا على ذلك، حذر نائب الرئيس ووزير الخارجية ورئيس هيئة الأركان المشتركة، من أن «الضربة ضد منشآت إيرانية قد تتصاعد إلى صراع أوسع من شأنه أن يهيمن على الأسابيع الأخيرة من رئاسته». ولا يزال غير معروف مدى قوة ونفوذ ترامب في الضغط من أجل القيام بعمل عسكري، لكن ديفيد تشارتر، من صحيفة التايمز، أكد أن «ترامب على ما يبدو عدل عن تنفيذ مثل هذا الهجوم بعد الحديث مع مستشاريه. وقد علق مسؤول في إدارته لصحيفة وول ستريت جورنال بأن «الصراع مع إيران قد ينتهي بشكل سيئ لجميع المعنيين».

 

وكان الدافع وراء استفسار ترامب عن استخدام القوة ضد إيران هو الأخبار التي تفيد بأنها تنتج يورانيوم مخصبًا أكثر من المسموح به في منشأة الإنتاج الرئيسية في نطنز. وقد أشارت صحيفة الواشنطن بوست إلى أن مثل هذه الضربة إن وقعت «ستركز على الأرجح» على هذا الموقع، الذي، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لديه الآن 12 ضعف الكمية المسموح بها من مخزون اليورانيوم. وأوضحت شبكة بي بي سي أن الوكالة تقول إن إيران «انتهت من نقل أول سلسلة من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة» إلى موقع نطنز لغرض تخصيب اليورانيوم. وأضاف تشارتر أنه لهذا السبب «أصبحت الآن أقرب إلى القدرة على إنتاج قنبلة نووية من أي وقت مضى منذ إبرام الاتفاق النووي».

 

وهناك أسباب أخرى محتملة وراء سعي ترامب لعمل عسكري ضد إيران، منها بحسب باتريك وينتور، من صحيفة الجارديان، أن سياسته الخاصة بالعقوبات القصوى لم تجبر إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، وأنه ما زال لا يمكنه القيام بأي عمل عسكري آخر قبل انتهاء ولايته ضد قوات تعتبر أذرعا لإيران في الشرق الأوسط».

 

وقد أثار الكشف عن رغبة ترامب في شن هجوم عسكري على إيران مخاوف أمريكية ودولية، وعلق روبرت مالي، المسؤول السابق في إدارة أوباما، وأحد مفاوضي الاتفاق النووي الإيراني، بأن «خطة ترامب بشن عملية عسكرية ضد إيران قد تكون عملية سرية، وستكون خطورتها أقل مما قد يحدث إن كانت علنية، وفي هذه الحالة لن يضطر إلى تحمل العواقب، وخاصة أنه لن يتعامل معها فترة طويلة؛ لأنه سيغادر البيت الأبيض في يناير القادم». وتقول التقارير إن مثل هذه الخطوة ستتسبب في تصعيد التوترات بشكل خطير بين البلدين وفي المنطقة ككل، وقد رد المتحدث باسم الحكومة الإيرانية «علي ربيعي» على تهديد الولايات المتحدة، زاعمًا أن «أي عمل ضد إيران سيواجَه بالتأكيد بردٍّ ساحق».

 

وهناك قلق كبير من أن ترامب لا يزال بإمكانه إصدار الأوامر التنفيذية في قضايا السياسة الخارجية، التي سيتعين على إدارة بايدن الجديدة التعامل معها لاحقًا بمجرد وصولها إلى البيت الأبيض. وكتب ديفيد تشارتر في «التايمز» أن «تصرف ترامب من جانب واحد هو خطير ولم يحدث في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية»، وقد أشارت نانسي يوسف وجوردون لوبولد ومايكل جوردون، من صحيفة وول ستريت جورنال، إلى أن «العمل العسكري ضد إيران كان يُنظر إليه على أنه يمثل النهاية الأكثر خطورة لخيارات السياسة الخارجية التي كان يُعتقد أنها تدور في خلد ترامب قبل أن يترك منصبه». ويضيف وينتور في «الجارديان»: أن «القوى الأوروبية الرئيسية الثلاث - المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا - ستعارض بشدة أي ضربة عسكرية، وتفضل إعادة التفاوض مع إيران».

 

وتسبب هذا الموقف من قِبَل إدارة ترامب في قلق خصوم أمريكا الآخرين؛ ففي الصين، ذكرت صحيفة «جلوبال تايمز» أن العالم بأسره يعلم أن إدارة ترامب ستثير المشاكل والصعاب خلال أسابيعها الأخيرة.

 

وتزداد الشكوك بشأن احتمال القيام بعمل عسكري ضد إيران، بعد قرار إدارة ترامب تقليل الوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق، وهو أمر آخر يلقى اعتراضات من حلفاء أمريكا؛ حيث أكد وزير الدفاع الأمريكي الجديد «كريستوفر ميلر» أن أمريكا ستخفض في الأسابيع القليلة القادمة من قواتها بمقدار 2500 فرد من أفغانستان و500 من العراق.

 

ويبدو أن هذه الخطوة مرتبطة مباشرة بإقالة وزير الدفاع السابق مارك إسبر من منصبه، حيث تشير قناة بي بي سي إلى أنه قبيل إقالته قال «إن طالبان لم تفِ بما قطعته على نفسها من تعهدات للحد من العنف»، وبالتالي كان البنتاغون مُترددًا في متابعة خطط ترامب للحد من الوجود الأمريكي في البلاد. وذكرت صحيفة الواشنطن بوست أن إسبر أرسل مذكرة إلى البيت الأبيض يعرب فيها عن مخاوفه بشأن اقتراح تقليل عدد القوات الأمريكية. وقال كولين جاكسون، المسؤول الكبير في البنتاغون لشؤون أفغانستان خلال السنوات الأولى لإدارة ترامب، تأكيدا لمخاوف إسبر: «ليس لدينا مثال واحد على أن سحب القوات دون رؤية واضحة قد كان الخيار الأفضل، ولنا في فيتنام والعراق مثال».

 

وبالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة في أفغانستان، سيكون هذا الأمر بمثابة ضربة كبرى لجميع عملياتهم، وخاصة أن القوات الأمريكية تشكل الجزء الأكبر من إجمالي 12 ألف جندي يحاولون تدريب الجيش الأفغاني للتصدي لطالبان. وقد أثار إعلان إدارة ترامب ردًّا فوريًّا صارمًا من «ينس ستولتنبرغ»، الأمين العام لحلف الناتو، الذي صرح بأن أفغانستان يمكن أن تصبح مرة أخرى «منصة لانطلاق عمليات الإرهاب الدولية» وحذر من أن «ثمن الانسحاب مبكرًا أو إذا تم بطريقة غير مدروسة أو منسقة سيكون باهظًا جدًّا». وانتقد «سيث جونز»، كبير المستشارين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، هذه الخطوة باعتبارها خطوة ستختبر بحق قدرات القوات الأفغانية المتحالفة مع الولايات المتحدة التي «ستركز فقط على عمليات مكافحة الإرهاب، وسيكون على الولايات المتحدة تقليص تدريبها وتقديم المشورة فقط، ما يعني أن الحكومة الأفغانية ستشعر بوطأة ذلك الأمر».

 

ولم تأت هذه الانتقادات من الحلفاء الدوليين للولايات المتحدة فحسب، بل جاءت أيضًا من بعض مؤيديه المحليين؛ حيث وصف زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ «ميتش ماكونيل»، القرار بأنه «خطأ»، كما حذر «ترامب» من مغبة إجراء «تغييرات جذرية فيما يتعلق بالدفاع والسياسة الخارجية» في الأشهر المتبقية من رئاسته. وأضاف عضو الكونجرس الجمهوري «ماك ثورنبيري» أن هذه الخطوة من شأنها أن «تقوّض المفاوضات» مع طالبان، في حين وصف السيناتور «بن ساسي»، وهو عضو جمهوري آخر في لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، الانسحابات المخطط لها بأنها ستكون «تراجعا ضعيفا» لا مبرر له في الواقع. وعلى الرغم من أن الرئيس المنتخب «جو بايدن» قد تعهّد بنفسه أيضًا بإنهاء التدخل الأمريكي في أفغانستان، إلا أنه شدد على مطلب «إنهاء الحرب بصورة تدريجية وبطريقة تجعلنا نحذر من بزوغ أي تهديدات لوطننا حتى لا نضطر أبدًا إلى العودة بعد ذلك».

 

ويرى المحللون أن سبب قيام «ترامب» بكل هذا في الوقت الراهن هو للتغطية على أخطائه الداخلية، أو لكبح «بايدن» عندما يصبح رئيسًا، ولخلق حالة من التشويش على السياسة الأمريكية الداخلية أكثر من ارتباطها بالرغبة في إحداث تغيير ذي مغزى في العالم. ويزعم «جوليان بورغر» بصحيفة الجارديان البريطانية، أن ترامب «يبحث في خيارات اللحظة الأخيرة التي قد يُقدم عليها للوفاء بوعوده التي أطلقها خلال الحملة الانتخابية، وذلك لاختلاق سيناريو مفاده أنه أدار إدارته بصورة ناجحة، وتمت إزالتها من خلال انتخابات مزورة».

 

وفي غضون ذلك، يوضح المؤرخ «ماكس بوت» في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أن «إدارة ترامب لم تكن منطقية»، وهو ما أدى في النهاية إلى «احتضارها». وأوضح «أنها لا تدرك أن هناك خطأً صارخًا في دخول الولايات المتحدة حروبًا جديدة يصعب وضع نهاية لها، ولكنه سيظل هناك تفاؤل في أن يتصدى لدوافع ترامب المتضاربة وغير العقلانية جنرالات أمريكيون أكثر مسؤولية، ويدركون ما لا يدركه ترامب نفسه».

 

في النهاية، إن قرار ترامب سحْب عدد من قواته من العراق وأفغانستان وتهديداته بضرب إيران هي قرارات سياسية خارجية رئيسية لا يجوز اتخاذها في فترة «البطة العرجاء»، وهي الفترة التي على الرئيس المنتهية ولايته انتظارها حتى انتهاء فترة حكمه. ومع ذلك لا ينبغي أن تكون مثل هذه القرارات مفاجأة مع رئيس خالف كل ما هو متعارف عليه في جميع جوانب حكمه تقريبًا.

{ انتهى  }
bottom of page