top of page
4/1/2019

اقـتـصـاد الـبــحـرين في عام 2018.. إنجـازات وتـحديــات (1-2)

أربعة مؤشرات رئيسية أطلقها عام 2018 للاقتصاد البحريني، تضعه على طريق التنمية المستدامة لتحقيق رؤية البحرين الاقتصادية «2030»، ومواجهة تحدياتها، ويأتي على رأسها السيطرة على تصاعد الدين العام واحتواء تداعياته.
أول هذه المؤشرات، ذلك الذي أعلنه وزير النفط البحريني، محمد بن خليفة في أبريل من العام الماضي، من تفاصيل اكتشاف أكبر حقل نفطي في تاريخ المملكة، بكميات تصل إلى 80 مليار برميل، ونحو20 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وثانيها؛ اتفاقية المنامة الإطارية الموقعة في 4 أكتوبر 2018 بين البحرين والسعودية والإمارات والكويت، تقدم فيها الدول الثلاث لمملكة البحرين 10 مليارات دولار؛ لتمكينها من تحقيق الاستقرار المالي حتى 2022؛ لارتباطه القوي بالاستقرار الأمني لهذه الدول. وثالثها؛ برنامج التوازن المالي الذي أعلنته الحكومة البحرينية بالتوازي مع إعلان هذه الاتفاقية الإطارية، مستهدفًا تحقيق التوازن بين إيرادات الميزانية العامة ونفقاتها، والقضاء على عجز الميزانية في غضون الفترة المقبلة حتى 2022. ورابعها؛ استمرار تنفيذ مشروعات تنموية بقيمة 32.5 مليار دولار، نصيب القطاع الخاص منها 15 مليار دولار، والشركات الحكومية 10 مليارات دولار، وبرنامج التنمية الخليجي 7.5 مليارات دولار.
مؤشرات إيجابية في بداية العام:
وعلى الرغم من انخفاض أسعار النفط، بدأ الاقتصاد البحريني عام 2018 بمؤشرات قوية، حققها في 2017؛ إذ تمكنت الإجراءات الحكومية من خفض عجز الميزانية العامة بقيمة 854 مليون دينار، خلال الفترة 2015 - 2017 من خلال خفض المصروفات وزيادة الإيرادات، وإعادة توجيه الدعم الحكومي. وبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي 34.5 مليار دولار في 2017. محققًا معدل نمو 3.8%، فيما حقق القطاع غير النفطي نموا قدره 4.8%، وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 23.5 ألف دولار سنويًا، مع مؤشرات واعدة في التنمية البشرية، عبر عنها متوسط معدل أعمار بلغ 77 عاما، ونسبة التحاق بالتعليم الأساسي100%، والتحول من استهداف التعليم للجميع والصحة للجميع، إلى تحقيق جودة التعليم وجودة الصحة، واستهداف تقليص فترة الانتظار للحصول على خدمة إسكانية إلى أقل فترة ممكنة. 
تحقق ذلك نتيجة السياسة المالية التي اتبعتها الحكومة لتحقيق الأهداف التنموية في الرؤية الاقتصادية 2030. والاستراتيجية الوطنية للتنمية الاقتصادية 2015 - 2018. وقد مكنت هذه السياسة القطاع الخاص من الأداء القوي، ولا سيما في السياحة، واستمرار تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وتهيئة المناخ لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فقد شهد العام الماضي توسع قطاع الفنادق والمطاعم بنسبة 9.5%، وارتفاع إجمالي إنفاق زوار المملكة بنسبة 9%، فيما حقق تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة نموًا في 2017 بلغ أكثر من 160% برقم 733 مليون دولار، وهي تدفقات تخلق نحو 28000 وظيفة في 3 سنوات، ما يدل على ارتفاع الثقة الدولية في الاقتصاد البحريني، وهي مؤشرات جعلت صندوق النقد الدولي في تقريره عن آفاق النمو الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى في مايو الماضي، يصف الاقتصاد البحريني بأنه «الأسرع نموًا بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية».
تحديات صعود المديونية:
إلا أن محدودية الموارد، وقلة الإنتاج النفطي (200 ألف برميل يوميا)، مع استمرار انخفاض أسعاره منذ منتصف عام 2014. كانت عوامل جعلت تحقيق هذه المؤشرات الإيجابية على حساب استقرار السياسة المالية وارتفاع المديونية. ومع ذلك لم تلجأ الحكومة إلى تقليص إنفاقها التنموي، أو تنفيذ خططها اعتمادًا على زيادة الرسوم وفرض ضرائب على المواطنين، أو المساس برفاهيتهم، أو ما يتطلبه الحفاظ على أمن الوطن وحرية البلاد وسيادتها وسط بيئة إقليمية مضطربة؛ لكنها لجأت إلى الاقتراض، وهي سياسة تتبعها كل حكومات العالم، متقدمة ونامية. 
وأصبح ارتفاع الدين العام، يمثل تحديا أمام إدارة اقتصاد المملكة، وعلى الرغم من الإجراءات التي قامت بها الحكومة لضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات، وتمكنت بها من خفض نسبة عجز الميزانية بمقدار 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن هذا العجز استمر عند نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغ حجم الدين العام 10.7 مليارات دينار بنهاية 2017.
وبدأ مطلع عام 2018 بتباطؤ الإنتاج النفطي في الربع الأول من العام؛ بسبب أعمال الصيانة في المرافق النفطية، ما أدى إلى انكماشه بنسبة 15%، الأمر الذي مثَّل تحديا رئيسيا للحكومة، وبدلاً من أن تلجأ إلى تأجيل تنفيذ مشروعاتها التنموية، ومن ثمّ تأجيل حصاد ثمارها، اختارت تحمل الأصعب وهو الاستمرار في تنفيذ هذه المشروعات، فأرست خلال الربع الأول من العام مشروعات استثمارية في مختلف القطاعات، كان على رأسها قطاعات النفط والغاز الطبيعي والبنية التحتية والصحة والفنادق والسياحة، بنحو 1.9 مليار دولار.
ومن المعلوم أن الإيرادات النفطية تتولى أكثر من 90% من إيرادات الميزانية، وانخفاض الإنتاج النفطي مع انخفاض الأسعار، يفاقم من عجز الميزانية، فجاءت ميزانية 2018 تقدر عجزا بنحو 1.2 مليار دينار، نتيجة نفقات متوقعة 3.5 مليارات دينار، وإيرادات متوقعة 2.3 مليار دينار، على أساس أن سعر برميل النفط 55 دولارا، ولكن بعد أن هبطت الأسعار إلى نحو 50 دولارا للبرميل، لجأت الحكومة إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها، حتى أصبحت نسبة الدين العام 80.3% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية الربع الأول من العام 2018م.
وقد كان هذا الاقتراض ضروريا أيضا لرفع وتيرة تنفيذ مشروعات البنية التحتية، حتى بلغت قيمتها التراكمية أكثر من 5.1 مليارات دولار في يونيو 2018، ما رفع توقعات معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018 إلى 3.4%، ورفع معدل نمو القطاع غير النفطي إلى 4.3%، مدفوعًا بارتفاع معدل النمو السنوي الحقيقي لقطاع البناء إلى 6.7%؛ بسبب النشاط في قطاع البنية التحتية في الربع الأول من العام. 
وتأتي هذه المعدلات قريبة من معدلات العام الماضي، حيث شهد قطاع السياحة نموًا في الربع الأول من العام بنسبة 11.4% في معدل الزوار، مقارنة بمثيله في 2017، مع زيادة في الإنفاق السياحي بنسبة 30%، والاستمرار في تنفيذ مشروعات سياحية؛ منها 15 فندقًا قيد الإنشاء باستثمارات تقدر بـ10 مليارات دولار، بما فيها توسعة مطار البحرين وزيادة أسطول الطائرات وعدد رحلات طيران الخليج، وتوجه الحكومة إلى إجراء إصلاحات تشريعية تضفي مزيدا من الحماية للاستثمارات وتحفيز القطاع الخاص.
الاكتشاف النفطي الجديد
 وإطلاق صندوق الطاقة:
وما كاد الربع الأول لعام 2018 ينتهي بتحدياته وإجراءات مواجهتها؛ حتى جاءت الأنباء السارة لكل أبناء البحرين في أبريل 2018. حين أعلن وزير النفط، محمد بن خليفة تفاصيل اكتشاف أكبر حقل نفطي في تاريخ البحرين، يقع في غرب البلاد بكميات تصل إلى 80 مليار برميل من النفط الصخري، ونحو 20 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وتبذل المملكة جهودا مكثفة لبدء استغلال الحقل الجديد خلال 5 سنوات، حيث وقعت مع شركة «هلبرتون» الأمريكية للتحضير لعمليات الحفر والاستكشاف. ويُدخل هذا الحقل البحرين مع كبار اللاعبين في سوق النفط الدولي، ويرفع تصنيفها الائتماني، ويمكنها من الحصول على قروض تمويلية أفضل، ويعزز التزاماتها الخارجية، ويعظم إيراداتها، وبدء تحول ميزانيتها إلى الفائض، ويخلق فرصا كبيرة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة أن كلفة استخراج البرميل المتوقعة هي كلفة اقتصادية، تخلق فرصا واعدة للأرباح. لم يقتصر الأمر على ذلك، فقد أعلن وزير النفط بعد هذا الاكتشاف بشهر واحد؛ أي في مايو 2017 إطلاق صندوق البحرين للطاقة والذي يعد الأول من نوعه في المنطقة؛ بهدف تزويد المستثمرين بإمكانية الوصول إلى أصول الطاقة المحلية، ويسعى إلى جمع مليار دولار، لاستثمارها في مشاريع الطاقة في المملكة من تكرير وإنتاج، وهو مفتوح للمستثمرين في الداخل، ولدول مجلس التعاون، ولجميع دول العالم. 
التعاون الخليجي:
وإذا كانت هذه الأنباء السارة تتعلق بالسنوات بعد عام 2018. فإن ما قامت به الحكومة من تحفيز للاقتصاد خلاله، قد اعتمد في تمويله -فضلاً عن الاقتراض - على صندوق التنمية الخليجي الذي نشأ في عام2011. والذي بيّن مدى الاندماج القائم أمنيا واقتصاديا بين البحرين وشقيقاتها في مجلس التعاون، حيث يعد أمن البحرين جزءا لا يتجزأ من الأمن الجماعي والقومي لدول المجلس، كما يعد اقتصاد المملكة هو الأكثر اندماجا في محيطه الخليجي؛ فحقل «أبو سعفة» المشترك مع السعودية هو المصدر الرئيسي لإنتاج البحرين النفطي، كما أن مصفاة «بابكو» وتوسعاتها المستقبلية تعتمد على استيراد النفط الخام من السعودية عبر خط الأنابيب الواصل بين البلدين، وجسر الملك فهد الذي يربط البلدين بريا يعد من أهم شرايين الاقتصاد البحريني، والمشروعات الصناعية الكبرى في المملكة تقوم على الاستثمار الخليجي المشترك، كما أن مكانة البحرين كمركز مالي في المنطقة، اعتمدت على إنتاج النفط ومبيعاته وتداول عائداته.
ولهذا، حين قررت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ضخ 10 مليارات دولار للبحرين في 2011 بمقدار مليار دولار سنويا، إنما كانت تستثمر في تحقيق أمنها هي، وفي أحد أهم شرايين الاقتصاد الخليجي. 

{ انتهى  }
bottom of page