top of page
20/6/2020

مناهضة العنصرية تطغى على خطورة فيروس كورونا في بريطانيا

منذ مقتل «جورج فلويد»، وهو مواطن أمريكي من أصول إفريقية, في مدينة مينيابوليس في 25 مايو2020, على يد رجال الشرطة الأمريكية، انتشرت الاحتجاجات في العديد من البلدان؛ حيث أعرب المتظاهرون عن غضبهم من استمرار انتشار العنصرية ووحشية الشرطة والظلم في جميع أنحاء العالم. وبدأت الاحتجاجات تنطلق في المملكة المتحدة مع حدوث أبرزها يومي 6و7 يونيو. وفي حين أن الغالبية العظمى من البريطانيين يدعمون الرسالة التي تقدمها هذه الاحتجاجات فإن قرار التجمع بهذه الأعداد الكبيرة في وقت الطوارئ الصحية الكبرى أحدث انقساما في الآراء.

 

وحذر مسؤولون حكوميون من أن الاحتجاجات الجماهيرية قد تؤدي الى انتشار فيروس كورونا بشكل متزايد. ومع وجود الآلاف من الأشخاص على مقربة من بعضهم البعض يتزايد خطر العدوى بشكل كبير. وبالنسبة الى العديد من المتظاهرين فإن خطورة قضية العنصرية وعدم المساواة، التي أظهرتها وفاة جورج فلويد, تفوق الخطر المباشر للفيروس. ويشير خروج عشرات الآلاف في جميع أنحاء المملكة المتحدة إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم إلى خطورة هذه القضية. ومع وجود رد فعل عنيف من جانب الشرطة في الولايات المتحدة فإن هناك تخوفا من احتمالية استخدام أي شكل من أشكال القوة لتفريق الاحتجاجات، والتي في الغالبية العظمى من المناطق، ذات طابع سلمي.

 

وبحلول 9 يونيو كان هناك ما يقرب من 290.000 حالة مؤكدة بفيروس كورونا في المملكة المتحدة، وأكثر من 40.000 حالة وفاة. وتعني هذه الأرقام أن لديها أحد أعلى معدلات العدوى والوفيات في العالم. ومع ذلك فقد تجاوزت الوفيات العدد المتوقع لهذا الوقت من العام، مقارنة بالسنوات الأخرى التي تجاوزت 62.000, مما يشير إلى أن عدد الوفيات المرتبطة بالفيروس أعلى بكثير من الرقم الرسمي. وعلى الرغم من أن أعداد الوفيات اليومية في انخفاض تدريجي منذ بلوغها الذروة في بداية أبريل إلا أنها وصلت فقط إلى 77 حالة يوم 7 يونيو.

 

وخلال الاحتجاجات تجمع عشرات الآلاف من المحتجين في المدن الرئيسية للتعبير عن قلقهم وغضبهم من وفاة جورج فلويد والقضايا الأوسع المتعلقة بعدم المساواة العرقية ووحشية الشرطة. وفي لندن، احتشد عدد كبير في السفارة الأمريكية في حي «فوكسهول» وتم تنظيم تجمعات في ساحة البرلمان. وفي مدينة «بريستول»، أسقط مجموعة من المتظاهرين تمثالا لتاجر الرقيق في القرن السابع عشر وألقوه في النهر. وعلى الرغم من أن العديد منهم قد ارتدوا الكمامات ومارسوا التباعد الاجتماعي، فقد كان هناك أيضا الكثير ممن لم يلتزم بهذه الإرشادات، وهو ما أثار القلق بشأن حالات كورونا المستقبلية.

 

وفي هذا السياق حذر وزير الصحة البريطاني، «مات هانكوك»، من أن 1 من كل 1000 شخص في المملكة المتحدة مصاب بالفيروس حاليًا، وبالتالي فإن مجموعات من الآلاف من المتظاهرين تخاطر بفرصة عالية جدًا لنشر المرض. وحذر «جون إدموندز» من المجموعة الاستشارية العلمية لحالات الطوارئ (SAGE): أنه «إذا كان لديك حشد من بضعة آلاف من الناس فمن المتوقع أن يكون بعض هؤلاء الأشخاص حاملين للعدوى، ومن الخطر أن يتجمع الآلاف من الأشخاص معًا». وأضاف «ألان تود»، مساعد رئيس شرطة شمال أيرلندا: أنه «في أوقات أخرى، كنا سنعمل مع المنظمين والمتظاهرين لتسهيل احتجاج قانوني وسلمي بيد أن هذه ليست أوقات عادية.. لوائح الحماية الصحية مطبقة لحمايتنا جميعا خلال هذا الوباء ومن مسؤولية الجميع الالتزام بها لحماية المجتمع».

 

وفي الولايات المتحدة تنبأ الخبير البيولوجي «تريفور بيدفورد» من مركز «فريد هاتشينسون» لأبحاث السرطان بأن كل يوم من الاحتجاجات يمكن أن يؤدي إلى 3000 إصابة إضافية. وعند النظر في معدلات الإصابة الحالية في أمريكا فإنها تعادل ما بين 15.000 و 50.000 إصابة يمكن تجنبها. وعلى الرغم من كون أعداد الإصابات أقل في بريطانيا إلا أنه يُمكن توقع معدل مماثل لانتشار العدوى إذا استمرت الاحتجاجات مع نفس المستوى من المشاركين. ومع ذلك، فإن الآثار النهائية على الصحة العامة لن تكون معروفة لبعض الوقت. فمع عدم وجود أعراض للفيروس لعدة أيام لا تزال الاختبارات بمنأى عن تسجيل جميع الحالات. واستنادا إلى آراء مسؤولي الصحة العامة، من المتوقع أن تكون هناك بعض الحالات الإضافية في الأسابيع المقبلة.

 

وعلى الرغم من القلق المحيط بآثار الصحة العامة المحتملة فإن الصدمة الهائلة للشعور في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة فيما يتعلق بقضايا عدم المساواة العرقية طويلة المدى تفوق مخاوف الوباء على المدى القصير. ودافع العديد من السياسيين عن الاحتجاجات. وكتب عمدة لندن، «صادق خان»، على تويتر يوم 6 يونيو: «إلى الآلاف من سكان لندن الذين يحتجون بسلام اليوم: أقف معكم وأشارككم غضبكم وألمكم.. يجب أن يكون القتل الوحشي حافزا للتغيير في جميع أنحاء العالم». وأعربت نائبة حزب العمل ووزيرة الخارجية في حكومة الظل، «ليزا ناندي»، عن دعمها للمتظاهرين، قائلة: إن بريطانيا «لا يمكن أن تبقى صامتة في مواجهة العنصرية»، غير أنها في الوقت ذاته حثت المتظاهرين على الالتزام بالإرشادات الصحية. وكان الملاكم البريطاني العالمي، «أنتوني جوشوا»، من الشخصيات البارزة في الاحتجاجات في «واتفورد»، وخطب فيهم قائلا: «لم يعد بإمكاننا أن نجلس ونستمر صامتين حيال هذا القتل بدم بارد وبشكل غير مشروع والعنصرية الخبيثة بحق إنسان آخر».

 

ومع تخفيف القيود المفروضة حاليًا على إغلاق المملكة المتحدة واستمرار تطبيق المبادئ التوجيهية للتباعد الاجتماعي، يجب النظر في الوضع القانوني للاحتجاجات. وفي الوقت الحالي لا تحدد اللوائح الحالية المتعلقة بتنفيذ إجراءات مكافحة الفيروس بشكل صريح الجوانب القانونية والشروط الموضوعية للاحتجاجات الجماعية. وعلى الرغم من أن بريطانيا لديها قيود تتسم ببعض المرونة لا تزال التجمعات العامة لأكثر من ستة أشخاص محظورة حاليًا. ووفقًا لقواعد الإغلاق يمكن لقوات الشرطة أن تأمر الناس بالعودة إلى منازلهم، وتفريق التجمعات بالحفلات والمناسبات، كما يمكنها إصدار غرامات تبدأ من 100 جنيه إسترليني لأولئك الذين يرفضون إتباع الإرشادات الصحية. وعلق وزير الصحة بأن «هناك أسباب منطقية تضطرنا الى وجود قوانين صارمة سارية مؤقتًا تمنع بكل وضوح تجمع أكثر من ستة أشخاص معًا.. إن مثل هذه التجمعات والاحتجاجات تخاطر بنشر الفيروس وتهدد بإزهاق المزيد من الأرواح».

 

ومن جانبه قال عمدة «مانشيستر» «أندي بورنهام» «مع علمي بأحقية الناس في الاحتجاج على ما يحدث في الولايات المتحدة وإرسال رسالة تضامن للمناهضين للعنصرية، يمكن القيام بذلك الاحتجاج بطرق مختلفة.. كما أنه ليس من المعقول على الإطلاق أن نتجمع في مثل هذه الظروف عندما لا نزال نواجه مخاطر لا يستهان بها». وأعلنت مفوضة الشرطة في لندن «كريسيدا ديك» عن رفضها للاحتجاجات قائلة: «إن التواجد معًا في أحد التجمعات والاحتجاجات ليس أمرًا غير قانوني فحسب، بل يعرضك وعائلتك وآخرين لمخاطر صحية جسيمة».

 

وعلى الرغم من أن الاحتجاجات كانت سلمية في معظمها -على عكس الولايات المتحدة- فقد كانت هناك حالات استثنائية قليلة دارت فيها اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين. وفي أحد هذه الاحتجاجات ألقيت الألعاب النارية والصواريخ على قوات الشرطة بالقرب من شارع «داونينج ستريت»، مقر مجلس الوزراء البريطاني. واعتُقل على إثرها 14 متظاهرًا، وأصيب 14 آخرون من ضباط الشرطة. ورد عمدة لندن على ذلك بقوله: «إلى تلك الأقلية التي تبنت أعمال العنف وألقت زجاجات حارقة على قوات الشرطة عرّضت احتجاجًا آمنًا وسلميًا للخطر وخذلت القضية المهمة التي يقومون بمناصرتها وتأييدها». وأدان رئيس الوزراء البريطاني «بوريس جونسون» هذا العنف، قائلا: «للناس الحق في الاحتجاج السلمي بالتزامن مع مراعاة التباعد الاجتماعي، ولكن ليس لديهم الحق في مهاجمة قوات الشرطة.. لقد تم العبث بهذه المظاهرات لتظهر على أنها أعمال بلطجة وتخريب, هذا في حد ذاته خيانة للقضية التي يزعمون مناصرتها وتأييدها.. وسيتم محاسبة المسؤولين عن ذلك».

 

من جانب آخر فإن رد فعل مسؤولي إنفاذ القانون في المملكة المتحدة كان بعيدًا تمامًا عن ردة الفعل الأمريكي؛ الأمر الذي يبين مدى تفهم الشرطة البريطانية والحكومة لهشاشة الوضع الاجتماعي الحالي، خاصة أن أي رد قوي على احتجاجات تناهض العنصرية وعدم المساواة العرقية سيثبت أنه نهج غير صحيح لخلق مجتمع أكثر عدلاً وأكثر مساواة.

 

على العموم بات من الواضح أن الاحتجاجات الأخيرة في جميع أنحاء لندن تشكل خطرًا على الصحة العامة. ومع ذلك فإن كونها للتعبير عن الغضب من مسألتي العنصرية وعدم المساواة في جميع أنحاء العالم يجب أن يجعل الشرطة والحكومة البريطانية أكثر حذرًا، خاصة أنه سيُنظر إلى أي رد فعل قوي على أنه عمل عدواني. وعلى الرغم من أن تعليمات السياسيين وخبراء الصحة العامة قد تم تجاوزها وانتهاكها، لكن هذا على الأرجح يرجع إلى خطورة القضية التي يحاول المتظاهرون إبرازها وتغييرها دون أدنى اهتمام من قبلهم بمراعاة وحماية الصحة العامة من جائحة فيروس كورونا.

{ انتهى  }
bottom of page