top of page
1/5/2020

تأثير كورونا على التنافس الجيو ـ سياسي الصيني الأمريكي

منذُ انتخابِ دونالد ترامب، رئيسًا للولايات المتحدة في نوفمبر2016. تراجعتْ العلاقاتُ الأمريكية الصينية، إذ ظهرتْ العديدُ من الخلافاتِ بين الطرفين حول قضايا التجارة، وحقوق الملكية الفكرية، والتجسس الصناعي والسيادة الإقليمية. وتعد جائحة كورونا أحدثَ أزمةٍ، إذ ألقت كلُّ دولةٍ باللوم على الأخرى لتبعد الأنظار عن ردودها على تفشي فيروس كورونا. 
وبحلول 27 أبريل، وصل عددُ المصابين بالفيروس في جميع أنحاء العالم قرابة 3 مليون حالة، في حين بلغ عدد الوفيات 203.308 حالة. وبلغت حالات الإصابة في الولايات المتحدة أكثر من 960.896. إلى جانب وفاة أكثر من 54.265 شخص. وتعدُّ الأرقام الصينية الرسمية منخفضة للغاية نسبيًّا، ولكنها تخضع لشكٍ قوي، فبكين متهمة بالتستر على تفشي المرض.
ووفقا للعديد من المحللين، فإن الخلاف بين الولايات المتحدة والصين حول الفيروس يعدُّ تنافسًا طويل الأمد. ويعتبر الجيش الأمريكي الصين الخصمَ المباشر للدولة. وكان الجنرال «مارك ميلي»، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، قد حذَّر في يوليو 2019 من الصين قائلا: «أعتقد أن بكين هي التحدي الرئيسي للأمن القومي الأمريكي على مدى الخمسين أو المائة عام القادمة».
ومنذ بداية الأزمة، ألقت واشنطن باللوم على الصين لفشلها في احتواء المرض. ووصف «ترامب» الفيروس بأنه «صيني»، وادعى أنه كان ينبغي إعطاء الولايات المتحدة «إشعارا مبكرا» حول انتشاره. كما ألقى باللوم على منظمة الصحة العالمية. وقرر في منتصف أبريل تجميد 400 مليون دولار من التمويل الأمريكي لها، مدعيا أنها لم تقدم صورةً شاملة للتحدي الذي تواجهه الصين، ولم تقدم تحذيرًا كافيا يمكنها من إعداد دفاعٍ فعال. 
ويعتقد معظمُ الأمريكيين أن الصين مسؤولة عن انتشار المرض. وأظهر استطلاعٌ للرأي منذ بداية أبريل2020. أن 77% من الأمريكيين يعتقدون أن بكين تتحمل المسؤولية. وفي تصعيد آخر، رفعت ولاية «ميسوري» دعوى قضائية في محكمة اتحادية ضد الحكومة الصينية، مدعية أنها مسؤولة عن الموت والمعاناة والخسائر الاقتصادية الهائلة التي لحقت بالعالم، بما في ذلك مواطنو الولاية. 
ورغم أنه يجب استنكار النهج الذي تبنته بكين في بداية الأزمة، فإن موقف واشنطن فيما يتعلق باستجابتها وتصديها للوباء يستحق الشجب والاستنكار أيضًا، إذ فشلت إدارة ترامب في تقديم استجابة شاملة وفعالة وفي أخذ تحذيرات المخابرات الأمريكية على محمل الجد بشأن تفشي المرض. 
وبدلًا من اتخاذ تدابير لمعالجة الوباء؛ سعى «ترامب» إلى مهاجمة بكين لتحقيق مكاسبٍ سياسية، إذ إن التذرع بـأعذارٍ واهية وإلقاء اللوم على بكين ليس كافيًا لتبرير أخطاء الإدارة الأمريكية، التي كان يجب عليها أن تقود العالم نحو تبني استراتيجية منسقة للتصدي للوباء. فالرئيس الأمريكي يتبنى سياسةً انعزالية، ولا يؤيد فكرة التعاون الدولي، ويدافع عن نهجٍ قومي للسياسة، وهو ما أدى إلى تحطيم مكانة واشنطن كقوة عسكرية وسياسية واقتصادية عالمية. ففي الأزمات العالمية السابقة مثل الأزمة المالية لعام 2008. ووباء أيبولا 2014؛ ظهرت واشنطن كقائدٍ مسؤول، أما الإدارة الحالية فمن الواضح أنها تهتم بعظمةِ أمريكا أكثر من اهتمامها بمستقبل البشرية. ومع انتهاء الأزمة، سوف تتناقص ثقة الدول فيها وفي قدراتها على التعامل كقائد عالمي. فالقليل سيتبع زعيما لا يتحمل المسؤولية، ولا يعترف بالأخطاء، ليؤكد بذلك أفولَ عصر الحكم الأمريكي المطلق على العالم، وستكون أزمة كورونا واحدة من أسباب هذا التغيير.
وبالنسبة إلى معظم المحللين، فإن الدولة التي ستملأ الفراغ الذي خلفته أمريكا هي الصين، وبالرغم من أنها مصدر الأزمة، إلا أنها نجحت في محاصرة الوباء، ثم تحولت إلى دولة تصارع الزمن في معركة البحث عن علاج. يقول «كورت كامبل» في مجلة «فورين أفيرز»، إن «بكين تتفهم أنها إذا تم النظر إليها كقائدٍ عالمي، وتم النظر إلى واشنطن على أنها غير قادرة على القيام بذلك، فإن هذا التصور يمكن أن يغيِّر بشكل أساسي موازينَ السياسة العالمية ومسابقة القيادة في القرن الـ21. إذ نرى بكين كزعيمٍ لنظام عالمي جديد بمجرد أن تخف حدة الأزمة».
ومن جانبها، سعت بكين على الصعيدين الدولي والمحلي إلى تغيير الرواية المعادية لها حول الوباء. وأطلقت حملةً دبلوماسية عامة. وشمل ذلك الترويج لدعاية في وسائل الإعلام الحكومية عن بناء مستشفيات جديدة وخفض معدلات الإصابة. ونشرت صحيفة «تشينا دايلي» الحكومية مقالا في 20 فبراير قالت فيه، إنه: «لولا الميزة المؤسسية الفريدة للنظام الصيني، لربما كان العالم يصارع جائحة مدمرة». وكتب «جوزيف س. ناي جونيور» في مجلة «فورين بوليسي» إن «الصين قدمت المساعدة، وتلاعبت بالإحصاءات لأسبابٍ سياسية، وانخرطت في دعاية قوية؛ في محاولة لتحويل رواية فشلها إلى استجابة سريعة للوباء».
ومن خلال استخدام «نظرية المؤامرة»، روَّجت وسائل الإعلام الصينية أن الفيروس ربما يكون قد نشأ في أمريكا. ولم تكن هذه الأخبار سوى شائعات، لكنها سمحت لبكين بفرصة الابتعاد فترة عن أنها المسؤولة عن تفشي المرض. وبالنظر إلى انتشار الإعلام الصيني، إذ تضم صفحة «فيسبوك» باللغة الإنجليزية لوكالة الأنباء الصينية نحو أكثر من 75 مليون متابع، ولدى «شبكة تليفزيون الصين الدولية» أيضًا 99 مليونَ متابع، بينما تمتلك شركات الإعلام الأمريكية العملاقة «فوكس نيوز»، و«سي إن إن»، 18 و32 مليون متابع عبر صفحاتها على «فيسبوك» على التوالي؛ ما عزز من التأثير الإعلامي للصين. وفي الأسابيع الأخيرة، أرسلت مساعدات طبية وأطباء لمساعدة العديد من الدول، مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا واليونان للتعامل مع تفشي المرض، في محاولة إظهار أنها تقف على الخطوط الأمامية لإنقاذ البشرية، بينما لا تستطيع الولايات المتحدة القيام بذلك، وتقف عاجزة ومشغولة في «توجيه أصابع الاتهام». 
وعلى الصعيد الجيوسياسي، سوف تخدم هذه السياسة بكين على المدى الطويل؛ والتي تأمل من خلال مساعدتها للبلدان المنكوبة، في حصد تأييدٍ سياسي من شأنه أن يساعد على إقامة روابط اقتصادية أوثق بمجرد انتهاء الأزمة، إذ إن الصين استفادت من أخطائها الأولية، بينما استجابة أمريكا كانت بطيئة وعشوائية، ما شوَّه سمعتها السياسية. 
وفي الوقت الحالي، يعتري الغرب مخاوف من أن الصين سوف تستخدم الذعر العالمي للفيروس لترسيخ حكمها الاستبدادي على المناطق التي تسببت في مشاكل سياسية لبكين مثل، «هونغ كونغ» و«مقاطعة شينجيانغ»، التي يقطنها مُسلمو الإيغور. وزعم العالم السياسي الصيني، «وو تشيانغ»، أن «نهج بكين هو تعزيز السيطرة الاستبدادية وسط تفشي الوباء». وقال البروفيسور «ستيف تسانغ» من معهد «اس أو ايه اس»، إنه «في حين تجثو الديمقراطيات الغربية على ركبتيها وتعتمد على الصين للحصول على معدات الحماية الشخصية؛ يمثل ذلك فرصة مُثلى لها».
وطوال العقد الماضي سعت بكين إلى توسيع نفوذها العالمي لمنافسة الولايات المتحدة. في إفريقيا، شرعت في بناء شراكات مع إثيوبيا وأنجولا، وتم عقد صداقات جديدة أخرى مع صربيا وفنزويلا، واستثمرت مبالغ كبيرة في بناء اقتصادات هذه الدول. فعلى سبيل المثال، في إثيوبيا تخطط لبناء مقر جديد للمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها. ومع ذلك ما زالت تفتقر إلى شبكة التحالفات الدولية التي تمتلكها واشنطن. ويصف «دوغ باندو» في «فورين بوليسي»، وضع الصين الخارجي بـ«الصداقة الباردة» مع روسيا، و«علاقات غير متكافئة» مع «بيونغ يانغ» و«إسلام آباد»، والشراكة «الضعيفة» مع طهران.
وذهب بعض المحللين إلى أن التوترات المتزايدة قد تؤدي إلى سباق تسلح في المناطق التي تواجه فيها القوات الصينية نظيرتها الأمريكية. ومن المرجح أن يحدث هذا في المحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي. وكان سيناتور جمهوري قد تقدم باقتراح يهدف إلى إنشاء صندوق مخصص لتمويل الدفاع لتعزيز قوة الردع ضد الصين في المحيط الهادي. ويشمل تخصيص 6 مليارات دولار لأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي. وكتب، إن «على الصين أن تتعامل مع قضاياها الداخلية قبل أن تتورط في مواجهة كبرى مع الولايات المتحدة، وخاصة أن لديها «إرثًا من المؤسسات الحكومية غير الفعالة والمديونة، ومع سياسة الطفل الواحد التي تنتهجها، فإن الشيخوخة تهدد المجتمع بشكل أسرع؛ مع عواقب وهن محتملة». وأضاف أنه في حال وقوع مواجهة عسكرية، فستكون الصين هي المضطرة للدفاع، وسيكون بمقدور أمريكا الدفاع عن نفسها «بسهولة تامة» في حين أنها «في خطر أكبر بكثير من أن يصبح وطنها ساحة معركة محتملة».
ويرى آخرون أن الحديث عن مواجهة عسكرية قد يكون بعيد المنال، لكن الأمر لن يعدو وجود خلافات اقتصادية شديدة بين الطرفين، سيكون لها تأثيرٌ كبير على المدى القصير والطويل. وفي العقد الماضي، استثمرت الكيانات الصينية بشكل كبير في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي عام2019. بلغت استثماراتها في أوروبا ما يقرب من 13 مليار يورو، في حين بلغت استثماراتها في الولايات المتحدة 25 مليار دولار عام 2018. وتهدد الحرب الكلامية جراء فيروس كورونا الاتفاقيات التجارية القائمة؛ ومن غير المؤكد أن تكتمل المرحلة الأولى من الصفقة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، حيث ستشتري الأخيرة 200 مليار دولار من منتجات الطاقة والزراعة من الولايات المتحدة. 
وتعد الصين أكبرَ شريكٍ تجاري للولايات المتحدة بما يزيد على740 مليار دولار من التجارة بين القوتين العظميين في2018 فقط. وانخفض إنفاق الصينيين بأكثر من 20% في الأشهر الأولى من عام 2020. وأدى نقص القوى العاملة إلى تراجع الإنتاج في الصين. وسجلت بالفعل نسبة انخفاض 13.5% لعام 2020. كما سيكون للتداعيات الاقتصادية لاستمرار التنافس بين الولايات المتحدة والصين تأثير كبير على التجارة الدولية، ولن يؤدي انهيار المفاوضات التجارية إلى تخفيف حدة التوترات الحالية.
على العموم، تأخذ جائحة كورونا العلاقات بين الولايات المتحدة والصين إلى أدنى مستوى لها في ظل فشل كليهما في الاعتراف بخطورة الأزمة في المراحل المبكرة. وفي ظل ذروة التنافس التجاري والعقوبات المتبادلة بينهما، لا يبدو أن هناك أي مؤشرٍ على تراجعها في الوقت الحالي. غير أن المؤكد هو أن عالم ما قبل «كورونا» ليس عالم ما بعده، والمؤشرات الأولية توحي بكتابة تاريخ جديد للعالم المعاصر، في ظل تغير موازين القوى على الصعيد العالمي، وما يستتبع ذلك من تنافس جيوسياسي سيغير المعايير التي نعرفها اليوم. 

 

{ انتهى  }
bottom of page